وسلّم على النخلة لأنه معهد أحبابه وملعبه مع أترابه ؛ لأن العرب تقيم المنازل مقام سكّانها فتسلّم عليها وتكثر من الحنين إليها .
قال الشاعر « 1 » : ( الخفيف )
وكمثل الأحباب ، لو يعلم العا * ذل ، عندي منازل الأحباب
ويحتمل أن يكون كنّى عن محبوبته بالنخلة لئلا يشهرها ، وخوفا من أهلها وأقاربها . وعلى هذا الأخير اقتصر ابن أبي الإصبع في « تحرير التحبير » في باب الكناية ، قال : ومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض ؛ وقد جاء القرآن العزيز بذلك فقال سبحانه « 2 » : «
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
» ، وقال امرؤ القيس « 3 » : ( الطويل )
وبيضة خدر لا يرام خباؤها * تمتّعت من لهو بها غير معجل
ومن مليح الكناية قول بعض العرب « 4 » : ( الوافر )
ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة اللّه السّلام
سألت النّاس عنك فخبّروني * هنا من ذاك تكرهه الكرام
وليس بما أحلّ اللّه بأس * إذا هو لم يخالطه الحرام
فإنّ هذا الشاعر كنّى عن المرأة بالنخلة ، وبالهناة عن الرفث . فأمّا الهناة فمن عادة العرب الكناية بها عن مثل ذلك ، وأما الكناية بالنخلة عن المرأة فمن ظريف « 5 » الكناية وغريبها » ا . ه .
وقال شرّاح أبيات الجمل وغيرهم : بيت الشاهد لا يعرف قائله ، وقيل هو للأحوص « 6 » . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) البيت في شرح أبيات المغني للبغدادي 6 / 103 .
( 2 ) سورة الصافات : 37 / 49 .
( 3 ) من معلقته المشهورة في ديوانه ص 13 .
( 4 ) الأبيات بلا نسبة في شرح أبيات المغني 6 / 103 .
( 5 ) في تحرير التحبير : « طريف » . بالمهملة .
( 6 ) لم نجد البيت في طبعة ديوانه .