ثم قال : والمراد بإدراك الجاهليّة ما قبل البعثة ، كما قال النوويّ في شرح مسلم .
قال العراقي : وفيه نظر ، والظاهر إدراك قومه أو غيرهم على الكفر قبل فتح مكة ، فإنّ العرب بعده بادروا إلى الإسلام وزال أمر الجاهلية ، وخطب صلى اللّه عليه وسلم في الفتح بإبطال أمرها .
وقد ذكر مسلم في المخضرمين بشير بن عمرو ، وإنّما ولد بعد الهجرة .
قال ابن رشيق في « العمدة » « 1 » : قال أبو الحسن الأخفش : ماء خضرم كزبرج ، إذا تناهى في الكثرة والسّعة ، فمنه سمّي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام :
مخضرما ، كأنه استوفى الأمرين . قال : ويقال أذن مخضرمة ، إذا كانت مقطوعة ، فكأنه انقطع عن الجاهلية إلى الإسلام .
وحكى ابن قتيبة عن عبد الرحمن عن عمه « 2 » قال : أسلم قوم في الجاهلية على إبل قطعوا آذانها فسمّي كلّ من أدرك الجاهلية والإسلام مخضرما . وزعم أنه لا يكون مخضرما حتى يكون إسلامه بعد وفاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 3 » . وهذا عندي خطأ ، لأنّ النابغة الجعدي ولبيدا قد وقع عليهما هذا الاسم .
وحكى علي بن الحسن كراع : يقال : شاعر محضرم بحاء غير معجمة مأخوذ من الحضرمة ، وهي الخلط ، لأنه خلط الجاهلية والإسلام « 4 » .
وحكى ابن خلّكان مع الحاء المهملة كسر الراء أيضا .
واعلم أنّ الشعراء أربع طبقات « 5 » : الأولى جاهليّ قديم ، الثانية المخضرم ، الثالثة إسلامي ، الرابعة محدث . وهم أربعة أقسام : شاعر خنذيذ بالخاء والنون والذالين المعجمات على وزن إبريق ، وهو الذي يجمع إلى جيّد شعره رواية الجيد من شعر غيره . وشاعر مفلق وهو الذي لا رواية له إلّا أنّه مجوّد كالخنذيذ في شعره ، والمفلق معناه الذي يأتي في شعره بالفلق - بالكسر - وهو العجب ، وقيل هو اسم الداهية .
وشاعر فقط وهو الذي فوق الرديء بدرجة . وشعرور وهو لا شيء . وقيل : بل هم
هامش
( 1 ) العمدة 1 / 113 .
( 2 ) عمه هو الأصمعي .
( 3 ) بعده في العمدة 1 / 113 : « وقد أدركه كبيرا ولم يسلم » .
( 4 ) في العمدة : « بالإسلام » .
( 5 ) العمدة 1 / 113 ؛ وشرح أبيات المغني 4 / 11 .