وأما غالب أبو الفرزدق فإنّه كان يكنى أبا الأخطل . واستجير بقبره بكاظمة ، فاحتملها عنه الفرزدق « 1 » .
وفي « نهج البلاغة » : وقال علي رضي الله عنه لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق ، في كلام دار بينهما : ما فعلت إبلك الكثيرة ؟ قال : ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين . فقال رضي الله عنه : ذاك أحمد سبيلها ! قوله ذعذعتها بذالين معجمتين وعينين مهملتين بمعنى فرقتها . يقال ذعذعته فتذعذع ؛ وذعذعة السرّ : إذاعته .
قال شارح « نهج البلاغة » ابن أبي الحديد : « دخل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي على أمير المؤمنين ، رضي الله عنه ، أيام خلافته - وغالب شيخ كبير ، ومعه ابنه همام الفرزدق وهو غلام يومئذ - فقال له علي رضي الله عنه : من الشيخ ؟ قال : أنا غالب بن صعصعة . قال : ذو الإبل الكثيرة ؟ قال : نعم .
قال : ما فعلت إبلك ؟ قال : ذعذعتها الحقوق وأذهبتها الحمالات والنوائب ، قال :
ذاك أحمد سبيلها ، من هذا الغلام معك ؟ قال : هذا ابني . قال : ما اسمه ؟ قال :
همّام ، وقد روّيته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب ، ويوشك أن يكون شاعرا مجيدا . فقال : أقرئه القرآن فهو خير له . فكان الفرزدق بعد يروي هذا الحديث ويقول : ما زالت كلمته في نفسي . حتّى قيّد نفسه بقيد وآلى ألّا يفكّه حتى يحفظ القرآن . فما فكّه حتى حفظه » ا . ه .
وقد روى عنه ، عليه السلام ، أحاديث وعن غيره من الصحابة . وعاش حتى قارب المائة ، ومات بعلّة الدّبيلة « 2 » ، رحمه الله تعالى .
قال النّويريّ في تاريخه : مات الفرزدق في سنة عشر ومائة ، وله إحدى وتسعون سنة ، ومات فيها جرير أيضا .
وقال السيّد المرتضي ، قدّس الله سرّه ، في أماليه « 3 » . « الفرزدق مع تقدّمه في الشعر وبلوغه فيه إلى الذّروة العليا « 4 » ، والغاية القصوى ، شريف الآباء كريم البيت ؛
هامش
( 1 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 206 : « أي احتمل الحمالة » .
والحمالة : الدية يحملها الإنسان عن غيره .
( 2 ) الدبيلة : داء يجتمع في الجوف .
( 3 ) أمالي المرتضى 1 / 62 .
( 4 ) في طبعتي بولاق والسلفية : « العلياء » بالهمزة . وإنما العليا ، بفتح العين مهموزة أو غير مهموزة بمعنى المكان -