والسبب الذي حمل عنترة على نظم هذه القصيدة : أنه كان لا يقول من الشعر إلا البيتين والثلاثة ، حتّى سابّه رجل من قومه فعابه بسواده وسواد أمّه ، وأنه لا يقول الشعر ، فأجابه عنترة أبلغ جواب - نقله ابن قتيبة في طبقات الشعراء « 1 » - وقال :
أما الشعر فستعلم ! فقال هذه القصيدة .
ويستحسن منها قوله في وصف روضة « 2 » : ( الكامل )
وخلا الذّباب بها فليس ببارح * غردا كفعل الشّارب المترنّم
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه * فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
« البراح » : الزّوال . و « الغرد » وصف من غرد ، من باب فرح ، إذا تغنّى .
يقول : خلا الذباب بهذه الروضة فلا زال يرجّع صوته بالغناء كشارب الخمر .
و « الهزج » : تراكب الصوت . ومعنى « يحكّ ذراعه بذراعه » يمرّ إحداهما على الأخرى . و « الأجذم » بالمعجمتين : صفة المكبّ ، وهو المقطوع اليد ؛ شبّه الذباب إذا سنّ إحدى ذراعيه بالأخرى بأجذم يقدح نارا بذراعيه ، وهذا من عجيب التشبيه ، يقال : إنّه لم يقل أحد في معناه مثله ؛ وقد عدّه أرباب الأدب من التشبيهات العقم ؛ وهي التي لم يسبق إليها ولا يقدر أحد عليها ، مشتق من الريح العقيم ، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة ، وقد شبه بعضهم من يفرك يديه ندامة بفعل الذباب ، وزاده اللطم فقال : ( الكامل )
فعل الأديب إذا خلا بهمومه * فعل الذّباب يرنّ عند فراغه « 3 »
فتراه يفرك راحتيه ندامة * منه ويتبعها بلطم دماغه
و « عنترة » هو عنترة العبسي بن شدّاد بن عمرو بن قراد ؛ قال الكلبي : شدّاد جدّه غلب على اسم أبيه ، وإنما هو عنترة بن عمرو بن شدّاد . وقال غيره : شداد
هامش
( 1 ) الشعر والشعراء 1 / 172 ؛ والحديث فيه طويل ، ويبدو أن البغدادي أحجم عن ذكره كاملا .
( 2 ) ديوان عنترة ص 197 - 198 ؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 70 . ورواية الديوان :فترى الذباب بها يغني وحده هزجا . . . »( 3 ) في طبعة بولاق : « يزنّ عند فراغه » .
وفي الطبعة السلفية : « يرنّ عند فراغه » . ويقول الميمني في حاشية السلفية 1 / 125 : « في الطبعة الأولى ( يزن ) بالمعجمة وليس بصواب » . وفي حاشية طبعة هارون 1 / 128 : « كذا في النسختين . و « يزنّ » الوجه فيها يرن ، من الرنين أو الإرنان وهو الصوت . على أن الشعر يبدو أنه لمولد » .