فصل [ : اختراعات المحدثين ]
والمحدثون أكثر الشّعراء اختراعا ، وأوسعهم تصرّفا وابتداعا ، والسّبب في ذلك كثرة المعلومات ؛ لتجدّد الحوادث مع الأوقات . وقال [ لائم ] « 1 » لابن الرومي : ما لك لا تشبّه تشبيه ابن المعتزّ ، وأنت أشعر منه ؟ ؟ فقال : أنشدني له شيئا استعجزتني « 2 » في مثله ، فأنشد في صفة الهلال :
فانظر إليه كزورق من فضّة * قد أثقلته حمولة من عنبر « 3 »
قال زدني ، فأنشد :
كأنّ آذريونها * والشّمس فيه كاليه « 4 »
مداهن من ذهب * فيها بقايا غاليه « 5 »
فصاح : واغوثاه ! ياللّه ! ! ذاك يصف ما عون بيته ، وأنا أيّ شيء أصف ؟ ولكن انظر إذا وصفت ما أعرف ، أين يقع النّاس منّي ، هل قال أحد أحسن من قولي في قوس الغمام :
وقد نشرت أيدي السّحاب مطارفا * على الجوّ دكنا ، وهي خضر على الأرض « 6 »
هامش
( 1 ) زيد ما بين حاصرتين من المحقق ، والخبر في ( العمدة 2 / 968 ) .
( 2 ) بالمخطوط : « استعجز بموتي في مثله » خطأ .
( 3 ) البيت في ( ديوان ابن المعتز 2 / 591 ) برواية : « وانظر . . . » . والعنبر : طيب .
( 4 ) بالمخطوط : « . . . آذريوننا والشمس فيه كالمله » تحريف وخطأ . والبيتان في ( ديوان ابن المعتز 1 / 373 ) .
والآذريون : ريحان أصفر في وسط زهرته خمل أسود ، ليس بطيب الرائحة . وكالية : يقال : كلأ بصره بالشيء ؛ أي :
رددّه فيه متأمّلا ؛ أي : ترشقها الشمس بأشعتها ، وسهّل الشاعر هنا الهمزة .
( 5 ) المداهن : حقاق الطيب . ويقصد بالبقايا الغالية : شيئا من المسك الأسود الثمين .
( 6 ) الشعر في ( ديوان ابن الرومي 4 / 1419 ) برواية : « . . . أيدي الجنوب » والمطارف : ج المطرف ، وهو رداء من خزّ ذو أعلام . والجنوب : الريح تهب من جهة الجنوب .