الرّمضاء ، فضرب فيها قبّة له ، فورد عليه أعرابيّ من بكر بن وائل على فرس يقود ناقة ، فقال : السلام / عليك ، فقال الغضبان : السلام كثير وهي كلمة مقولة ، فقال الأعرابي :
ما اسمك ؟ قال : أحد ، قال : أو تعطيني ؟ قال : ما أحب أن يكون لي اسمان ، قال : ومن أين جئت ؟ قال : من الذلول ، قال : وأين تريد ؟ قال : الرّمضاء أمشي في مناكبها ، قال :
فمن عرض اليوم ؟ فرعون على النّار ، قال فمن بشّر ؟ قال : الصّابر ، قال : فمن غلب ؟
قال : حزب اللّه ، قال ومن حزب اللّه ؟ قال : المفلحون . قال : فعجب الأعرابيّ من منطقه ، وحاضر جوابه . قال : أفتقرض ؟ قال : إنّما تقرض الفأرة ، قال : أفتسمع ؟ قال :
إنّما تسمع القينة ، قال : أفتسجع ؟ قال : إنّما يسجع الحمام ، قال : أفتنطق ؟ قال : إنّما ينطق كتاب اللّه ، قال : كيف ترى فرسي هذا ؟ قال : أراه خيرا من واحد هو شرّ منه ، وواحد أفره « 1 » منه خير منه ، قال : لقد علمت ذلك ، قال : أو علمت لم تسألني ؟ قال :
إنّك لمنكر ، قال : إنّي لمعروف ، قال : ذلك أريد ، قال : وما إرادتك ؟ قال : الدخول إليك ، قال : وراءك أوسع لك ، قال : أضرّت بي الشّمس ؟ قال الساعة يأتيك الفيء ، قال : الرّمضاء قد أحرقت قدميّ ، قال « 2 » : بل عليهما يبردان ، قال : قد أوجعني الحرّ ، قال :
ليس لي عليه سلطان ، إنّي لا أريد « 3 » طعامك ولا شرابك ، قال : لا تعرض لهما « 4 » ، فو اللّه لاذقتهما ، قال : سبحان اللّه ! قال : قبل كونك ، قال : ما الذي عندك إلّا ما أرى ، قال :
بلى هراوة أرزن « 5 » أضرب بها رأسك ، قال : تاللّه ما رأيت كاليوم قطّ ، قال : بلى قد رأيت ولكنّك نسيت ، قال : إنّي لأظنّك جنّيّا ، قال : اللّهمّ اجعلني من خبار الجنّ ، قال : بل أحسبك حروريّا « 6 » ؟ قال : اللّهمّ اجعلني مّمن يتحرّى الخير ، فلمّا رأى ذلك
هامش
( 1 ) أفره منه : أنشط منه .
( 2 ) بالمخطوط : « قل » .
( 3 ) بالمخطوط : « لأريد » .
( 4 ) في ( مروج الذهب ) : « لا تعرّض بهما » .
( 5 ) الأرزن : شجر صلب تتّخذ منه العصيّ الصّلبة .
( 6 ) الحروري : المنسوب للحرورية ، وهم طائفة من الخوارج تنسب إلى حروراء قرب الكوفة حيث كان بها أوّل اجتماعهم حين خالفوا عليا رضي اللّه عنه ، وكانوا متشدّدين في الدين ، ورأسهم : عبد اللّه الكوّاء . ( تاج العروس :
حرر ، الملل والنحل ص 115 - 118 ) .