ابعثوا إليّ رجلا من عقلائكم وذوي أسنانكم ، فبعثوا بعبد المسيح بن عمرو بن بقيلة « 1 » ، فأقبل يدبّ في مشيته ، فقال خالد : بعثوا إلينا شيخا لا يفقه شيئا ! فدنا منه ، وقال : أنعم صباحا - أبيت اللّعن - « 2 » يا خالد ؟ قال خالد : قد جاء اللّه بغير هذه التّحيّة ! أين أقصى أثرك ؟ قال : ظهر أبي ! قال : من أين خرجت ؟ قال : من بطن أمي ! قال : علام أنت ؟ قال : على الأرض ! قال : فيم أنت ؟ قال : في ثيابي ! قال : أتعقل ؟ قال :
نعم ، وأقيد ! قال : ابن كم أنت ؟ قال : ابن رجل واحد ، قال : ما رأيت كاليوم « 3 » قطّ أسألك عن شيء تجيء في غيره ! ! قال : ما أجبتك إلّا عمّا سألت ، فسل عمّا بدا لك ، قال : أحرب أنت أم سلم ؟ قال : بلى سلم ! قال : فما بال هذه الحصون ؟ [ قال : ] « 4 » بنيناها للسفية [ تمنعه ] « 5 » حتّى يجيء حكيم ينهاه ، قال : كم أتى عليك من السنين ؟
قال : ثلاث مئة وخمسون سنة ! قال : فما أدركت ؟ قال : أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف « 6 » ، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تضع مكتلها على رأسها ، وتخرج حتّى ترد الشّام في قرى متّصلة قد أصبحت خرابا يبابا ، وذلك دأب « 7 » اللّه في العباد والبلاد .
قال : [ وكان ] معه سمّ ساعة « 8 » . قال خالد : ما هذا [ الذي ] « 9 » معك ؟ قال : سمّ ساعة !
هامش
( 1 ) هذا الخبر في ( الروض المعطار : الحيرة ، 208 ) مع بعض اختلاف وتقديم وتأخير . وجاء في ( جمهرة الأنساب لابن حزم ص 374 ) : « عبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن بقيلة واسمه الحارث بن . . . عمرو بن مازن بن الأزد ، وكان هو وأهل بيته بالحيرة ، وهو الذي صالح خالد بن الوليد عن أهل الحيرة » . وبالهامش : « وبقيلة : سمّي به ؛ لأنّه خرج في ثوبين أخضرين ، فقال له إنسان : ما أنت إلّا بقيلة ! » . وهو الذي بنى القصر الأبيض في الحيرة ( الروض المعطار : الحيرة 208 ) .
( 2 ) أبيت اللّعن : تحية ملوك لخم وجذام ، وتعني : أبيت أن تأتي أمرا تذمّ عليه ( تاج العروس ، ولسان العرب :
لعن ) .
( 3 ) بالمخطوط : « كالنوم » تصحيف .
( 4 ) ، ( 5 ) زيد ما بين حاصرتين من المحقق / وفي ( الروض المعطار ) : « يأتي الحليم فينهاه » .
( 6 ) الجرف : شقّ الوادي إذا حفر الماء في أسفله ، ج أجراف وجرفة .
( 7 ) الدّأب : العادة والشأن ( تاج العروس : دأب ) .
( 8 ) في المخطوط : « قال ومعه سنة ساعة « تحريف وخطأ » . وما بين حاصرتين من المحقق .
( 9 ) زيد ما بين حاصرتين من المحقق .