تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
فلما انقضت النّبوّة وختم اللّه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم الوحي والرسالة ، جعل قوام الدين ، ونظام أمر المسلمين ، بالخلافة وإتمامها وعزّها والقيام بحق اللّه فيها ، بالطاعة التي تقام بها فرائض اللّه وحدوده ، وشرائع الإسلام وسننه ، ويجاهد بها عدوّه ، فعلى خلفاء اللّه طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق اللّه وعدله ، وأمن السّبل ، وحقن الدّماء ، وصلاح ذات البين وجمع الألفة ، وفي إخلال ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم ، واختلاف ملّتهم ، وقهر دينهم ، واستعلاء عدوّهم ، وتفرّق الكلمة ، وخسران الدنيا والآخرة . فحقّ على من استخلفه اللّه في أرضه ، وأتمنه على حلقه ، أن يؤثر ما فيه رضا اللّه وطاعته ، ويعدل فيما اللّه واقفه عليه ، وسائله عنه ، ويحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمّله اللّه وقلّده ، فإن اللّه عز وجل يقول لنبيه داود عليه السلام :
« يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ »
وقال عز وجل :
« فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ »
وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال : « لو ضاعت سخلة « 1 » بجانب الفرات لتخوّفت أن يسألني اللّه عنها » وأيم اللّه إن المسؤول عن خاصّة نفسه ، الموقوف على عمله ، فيما بين اللّه وبينه ، لمتعرّض لأمر كبير ، وعلى خطر عظيم ، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة ؟ وباللّه الثقة ، وإليه المفزع والرغبة في التوفيق مع العصمة ، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجّة ، والفوز من اللّه بالرضوان والرحمة . وأنظر « 2 » الأئمة لنفسه ، وأنصحهم في دينه وعباده وخلافته في أرضه ، من عمل بطاعة اللّه وكتابه وسنّة نبيه عليه السلام في مدّة أيامه ، واجتهد وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده ، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده ، وينصبه علما لهم ،
هامش
( 1 ) السخلة : ولد الشاة ما كان . ( 2 ) أي أحسنهم نظرا .