33 - خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام
عن أبي زيد قال : بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابىّ فقال :
« يا مسلمون ، إنّ الحمد للّه ، والصلاة على نبيه ، إني امرؤ من أهل هذا الملطاط الشّرقىّ المواصى أسياف تهامة « 1 » ، عكفت علىّ سنون محش « 2 » ، فاجتبّت الذّرى ، وهشمت العرى « 3 » ، وجمشت النّجم ، وأعجت البهم « 4 » ، وهمّت الشحم ، والتحبت اللحم ، وأحجنت العظم « 5 » ، وغادرت التراب مورا ، والماء غورا ، والناس أوزاعا « 6 » ، والنّبط قعاعا ، والضّهل جزاعا ، والمقام جعجاعا « 7 » ، يصبّحنا الهاوى ، ويطرقنا العاوى « 8 » ، فخرجت لا أتلفّع بوصيدة ، ولا أتفوّت هبيدة « 9 » ، فالبخصات وقعة ، والرّكبات زلعة ، والأطراف قفعة « 10 » ، والجسم مسلهمّ ، والنظر مدرهمّ « 11 » ، أعشو فأغطش ، وأضحى فأخفش « 12 » ، أسهل ظالعا ، وأحزن راكعا « 13 » فهل من آمر
هامش
( 1 ) الملطاط : كل شفير نهر أو واد ، والمواصى والمواصل واحد ، يقال تواصى النبت : إذا اتصل بعضه ببعض ، وأسياف جمع سيف بالكسر : وهو ساحل البحر .
( 2 ) عكفت : أقامت ، والسنون الجدوب ، ومحش جمع محوش كصبور ، وهي التي تمحش ( بضم الخاء ) الكلأ أي تحرقه .
( 3 ) اجتبت : قطعت واستأصلت ، وهشمت : كسرت ، والعرى جمع عروة ، والعروة : القطعة من الشجر لا يزال باقيا على الجدب ترعاه أموالهم .
( 4 ) جمشت : احتلقت ، والنجم : ما نجم ولم يستقل على ساق ، وأعجت : أي جعلها عجايا ، والعجى : السيئ الغذاء المهزول .
( 5 ) همت : أذابت ، والعرب تقول : « همك ما أهمك » أي أذابك ما أحزنك ، والتحبت اللحم : أي عرقته عن العظم ، وأحجنت العظم : أي عوجته فصيرته كالمحجن .
( 6 ) مار مورا : اضطرب وماج ، والغور : الغائر ، أوزاع : فرق .
( 7 ) النبط : الماء الذي يستخرج من البئر أول ما تحفر ، والقعاع الماء الملح المر : والضهل : القليل من الماء ، والجزاع : أشد المياه مرارة ، والجعجاع : المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه .
( 8 ) الهاوى : الجراد ، والعاوى : الذئب .
( 9 ) التلفع : الاشتمال ، والوصيدة : كل نسيجة ، والهبيد : حب الحنظل يعالج حتى يطيب فيختبز .
( 10 ) البخصات جمع بخصة ، وهي لحم باطن القدم ، ووقعة : من قولهم : وقع الرجل كفرح إذا اشتكى لحم باطن قدمه ، وزلعه : متشققة ، وقفعة ومقفعة واحد : وهي التي قد تقبضت ويبست .
( 11 ) المسلهم : الضامر المتغير ، والمدرهم : الضعيف البصر الذي قد ضعف بصره من جوع أو مرض .
( 12 ) أعشو : أنظر : فأغطش : أصير غطشا ( بكسر الطاء ) والغطش محركة : ضعف في البصر ، وضحى للشمس كفرح وسعى : برز لها ، والخفش بالتحريك : ضعف البصر خلقة ، أو فساد في الجفون بلا وجع أو أن يبصر بالليل دون النهار .
( 13 ) أسهل ظالعا : أي إذا مشيت في السهول ظلعت ، وظلع كمنع :
غمز في مشيه ، وأحزن راكعا : أي إذا علوت الحزن ركعت أي كبوت لوجهى .