« لا تستأصلوا شأفة « 1 » أعداء ترجون صداقتهم ، واستبقوهم لأشدّ عداوة منهم » - يشير إلى استبقائهم ، ليستعان بهم على أعداء الدين - . ( نفح الطيب 2 : 70 )
2 - عبد الرحمن الداخل ورجل من جند قنسرين
ولما أذعن يوسف صاحب الأندلس لعبد الرحمن ، واستقر ملكه ، استحضر الوفود إلى قرطبة ، فانثالوا « 2 » عليه ، ووالى القعود لهم في قصره عدة أيام ، في مجالس يكلم فيها رؤساءهم ووجوههم ، بكلام سرّهم ، وطيّب نفوسهم .
وفي بعض مجالسهم هذه مثل بين يديه رجل من جند قنسرين « 3 » يستجديه ، فقال له :
« يا بن الخلائف الراشدين ، والسادة الأكرمين ، إليك فررت ، وبك عذت ، من زمن ظلوم ، ودهر غشوم ، قلّل المال ، وكثّر العيال ، وشعّث « 4 » الحال ، فصيّر إلى نداك المآل ، وأنت ولىّ الحمد والمجد ، والمرجوّ للرّفد « 5 » » .
فقال له عبد الرحمن مسرعا :
« قد سمعنا مقالتك ، وقضينا حاجتك ، وأمرنا بعونك على دهرك ، على كرهنا لسوء مقامك ، فلا تعودنّ ولا سواك لمثله ، من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة ، والإلحاف في الطّلبة « 6 » ، وإذا ألمّ بك خطب ، أو حزبك « 7 » أمر ، فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك ، كيما نستر عليك خلّتك ، ونكفّ شمات العدو عنك ، بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا - عزّ وجهه - بإخلاص الدعاء ، وصدق النية » .
هامش
( 1 ) الشأفة : قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب ، أو إذا قطعت مات صاحبها ، والأصل ، واستأصل اللّه شأفته : أذهبه كما تذهب تلك القرحة ، أو معناه أزاله من أصله .
( 2 ) انثال : انصب ، أي تتابعوا وتوافدوا عليه .
( 3 ) بالشام .
( 4 ) شعث الأمر : نشره وفرقه .
( 5 ) الرفد : العطاء والصلة .
( 6 ) الطلبة : الطلب .
( 7 ) أي اشتد عليك ، والخلة الحاجة .