تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
بالحسنى ، وزيّنك بالتقوى ، وجمع لك خير الآخرة والأولى ، إن لي حوائج أفأذكرها ؟ قال : هاتها ، قال : كبرت سنّى ، وضعفت قواى ، واشتدت حاجتي ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسرى ، وينفى فقرى » ، قال : يا ابن أبي الجهم ، وما الذي يجبر كسرك ، وينفى فقرك ؟ قال : ألف دينار ، وألف دينار ، وألف دينار ، فأطرق هشام طويلا ، ثم قال : هيهات يا ابن أبي الجهم ، بيت المال لا يحتمل ما سألت ! فقال : أما إن الأمر لواحد ، ولكن اللّه آثرك لمجلسك ، فإن تعطنا فحقّنا أدّيت ، وإن تمنعنا نسأل الذي بيده ما حويت ، إن اللّه جعل العطاء محبّة ، والمنع مبغضة ، ولأن أحبّك أحبّ إلىّ من أن أبغضك ، قال : فألف دينار لما ذا ؟ قال : أقضى بها دينا قد حمّ « 1 » قضاؤه ، وفدحنى « 2 » حمله ، وأرهقنى « 3 » أهله ، قال : نعم المسلك أسلكتها ، دينا قضيت ، وأمانة أديت ، وألف دينار لما ذا ؟ قال : أزوّج بها من أدرك من ولدى ، فأشدّ بهم عضدي ويكثر بهم عددي قال : ولا بأس أغضضت طرفا ، وحصّنت فرجا ، وأمرت « 4 » نسلا ، وألف دينار لما ذا ؟ قال : أشترى بها أرضا يعيش بها ولدى ، وأستعين بفضلها على نوائب دهري ، وتكون ذخرا لمن بعدى ، قال : ولا بأس ، أردت ذخرا ، ورجوت أجرا ، ووصلت رحما ، قد أمرنا لك بما سألت ، قال : فالمحمود اللّه على ذلك ، وجزاك اللّه يا أمير المؤمنين والرحم خيرا ، وخرج ، فقال هشام : تاللّه ما رأيت رجلا ألطف في سؤال ، ولا أرفق في مقال من هذا ، هكذا فليكن القرشىّ ، وإنا لنعرف الحق إذا نزل ، ونكره الإسراف والبخل ، وما نعطى تبذيرا ، ولا نمنع تقتيرا ، وما نحن إلّا خزّان اللّه في بلاده ، وأمناؤه على عباده ، فإن أذن أعطينا ، وإذا منع أبينا ؛ ولو كان كل قائل يصدق ، وكل سائل يستحق ، ما جبهنا « 5 » قائلا ، ولا رددنا سائلا ، فنسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا ، فإنه يبسط الرّزق لمن يشاء
هامش
( 1 ) حم الأمر : قضى وقدر . ( 2 ) أثقلنى . ( 3 ) الإرهاق : أن تحمل الإنسان على ما لا يطيقه . ( 4 ) كثرت . ( 5 ) جبهه كمنعه : لقيه بما يكره .