قال : صدقت ، لقد كان كذلك ، فقالت : مات الرّأس وبتر الذّنب ، وباللّه أسأل أمير المؤمنين إعفائى مما استعفيت منه ، قال : قد فعلت ، فقولي حاجتك ، قالت : يا أمير المؤمنين ، إنك أصبحت للناس سيّدا ، ولأمورهم متقلّدا ، واللّه سائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقّنا ، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك ، ويبسط سلطانك ، فيحصدنا حصاد السّنبل ، ويدوسنا دياس « 1 » البقر ، ويسومنا « 2 » الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة ، هذا ابن أرطاة « 3 » قدم بلادي ، وقتل رجالي ، وأخذ مالي ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإمّا عزلته عنا فشكرناك ، وإمّا لا فعرفناك ، فقال معاوية :
إيّاى تهدّدين بقومك ؟ واللّه لقد هممت أن أحملك على قتب « 4 » أشرس فأردّك إليه ، ينفذ فيك حكمه ، فأطرقت تبكى ، ثم أنشأت تقول :
صلّى الإله على روح تضمّنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغى به ثمنا * فصار بالحقّ والإيمان مقرونا
قال : ومن ذلك ؟ قالت : علىّ بن أبي طالب ، رحمه اللّه تعالى ، قال : وما صنع بك حتى صار عندك كذلك ؟ قالت : أتيته يوما في رجل ولّاه صدقاتنا ، فكان بيننا وبينه ما بين الغثّ « 5 » والسّمين ، فوجدته قائما يصلّى ، فانفتل من الصلاة ، ثم قال برأفة
هامش
( 1 ) الدوس والدياس والدياسة : الوطء بالرجل .
( 2 ) يكلفنا .
( 3 ) هو بسر بن أرطاة ، وقيل ابن أبي أرطاة ، وكان معاوية في أيام على سيره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة على ويأخذ البيعة له ، فسار إلى المدينة ، ففعل بها أفعالا شنيعة ، وسار إلى اليمن ؛ وكان عليها عبيد اللّه بن العباس من قبل على ، فهرب عبيد اللّه فنزلها بسر ، وذبح عبد الرحمن وقثم ابني عبيد اللّه وهما صغيران بين يدي أمهما عائشة بنت عبد المدان ؛ فأصابها من ذلك حزن عظيم ؛ فأنشأت تقول :يا من أحس بنيى اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدفيا من أحس بنيى اللذين هما * سمعي وقلبي ؛ فقلبي اليوم مختطفيا من أحس بنيى اللذين هما * مخ العظام ؛ فمخى اليوم مزدهف( 4 ) القتب : الإكاف الصغير على قدر سنام البعير ، والمراد به هنا البعير لوصفه بالأشرس ففيه مجاز ؛ أو الأشرس : الخشن الغليظ .
( 5 ) الغث : المهزول .