« أما قولك يا معاوية : إنا قدمنا الأرض المقدّسة ، فلعمري ، ما الأرض تقدّس الناس ، ولا يقدّس الناس إلا أعمالهم ، وأما قولك : منها المنشر ، وإليها المحشر ، فلعمري ، ما ينفع قربها ، ولا يضرّ بعدها مؤمنا ، وأما قولك : لو أن الناس . كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء ، فقد ولدهم خير من أبي سفيان آدم صلوات اللّه عليه ، فمنهم الحليم والسفيه ، والجاهل والعالم » .
وأما أحلم الناس ، فإن ولد عبد القيس قدموا على النبي صلى اللّه عليه وسلم بصدقاتهم وفيهم الأشجّ « 1 » ، ففرّقها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أول عطاء فرّقه في أصحابه ، ثم قال : يا أشجّ ادن منى ، فدنا منه ، فقال : « إنّ فيك خلّتين يحبّهما اللّه : الأناة ، والحلم » وكفى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاهدا ، ويقال : إن الأشج لم يغضب قطّ « 2 » .
( العقد الفريد 2 : 56 )
363 - وفود العرب ومعاوية
عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان ، قال :
عقمت النساء أن يلدن مثل عمّى ! شهدته يوما ، وقد قدمت عليه وفود العرب ، فقضى حوائجهم ، وأحسن جوائزهم ، فلما دخلوا عليه ليشكروه ، سبقهم إلى الشكر ، فقال لهم :
« جزاكم اللّه يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء ، بتقدّمكم إياهم في الحرب ، وتقديمكم لهم في السّلم ، وحقنكم دماءهم بسفكها منكم ، أما واللّه لا يؤثر عليكم غيركم منهم حازم كريم ، ولا يرغب عنكم منهم إلا عاجز لئيم ، شجرة قامت على ساق ، فتفرّع أعلاها ، واجتمع أصلها ، عضد اللّه من عضدها ، فيا لها كلمة لو اجتمعت ! وأيد لو ائتلفت ! ولكن كيف بإصلاح ما يريد اللّه إفساده ؟ » .
( العقد الفريد 2 : 41 )
هامش
( 1 ) هو عبد اللّه بن عوف الأشج .
( 2 ) هذا المقال يزيد على العنوان الذي عنونته به ، وقد أردت من ذلك استيفاء حديث عبد الملك .