213 - خطبة الامام علىّ
ثم إن عليّا عليه السلام صعد المنبر ، فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد ، فبدأ بحمد اللّه والثناء عليه ، ثم قال :
« إن اللّه قد أكرمكم بدينه ، وخلقكم لعبادته ، فانصبوا أنفسكم في أداء حقه ، وتنجّزوا موعوده ، واعلموا أن اللّه جعل أمراس « 1 » الإسلام متينة ، وعراه وثيقة ، ثم جعل الطاعة حظّ الأنفس ورضا الرب ، وغنيمة الأكياس « 2 » عند تفريط العجزة ، وقد حملت أمر أسودها وأحمرها ، ولا قوّة إلا باللّه ، ونحن سائرون إن شاء اللّه إلى من سفه « 3 » ، نفسه وتناول ما ليس له ، وما لا يدركه ، معاوية وجنده ، الفئة الطاغية الباغية ، يقودهم إبليس ، ويبرق لهم ببارق تسويفه ، ويدلّيهم « 4 » بغروره ، وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام ، فاستغنوا بما علمتم ، واحذروا ما حذركم اللّه من الشيطان ، وارغبوا فيما عنده من الأجر والكرامة ، واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته ، والمغرور من آثر الضلالة على الهدى ، فلا أعرفن أحدا منكم تقاعس « 5 » عنى ، وقال في غيرى كفاية ، فإن الذّود إلى الذّود إبل « 6 » : * ومن لا يذد عن حوضه يتهدّم *
ثم إني آمركم بالشدة في الأمر ، والجهاد في سبيل اللّه ، وأن لا تغتابوا مسلما ، وانتظروا النصر العاجل من اللّه ، إن شاء اللّه » .
هامش
( 1 ) جمع مرس بفتحتين ، ومرس جمع مرسة بفتحتين أيضا : وهو الحبل .
( 2 ) جمع كيس : وهو ضد الأحمق .
( 3 ) أصله سفهت نفسه ، فلما حول الفعل إلى الرجل انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه لأنه صار في معنى سفه نفسه بالتشديد ، ومثله : رشد أمره وبطر عيشه .
( 4 ) أي يحطهم عن منزلتهم . قال تعالى :( فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ )( 5 ) تأخر وتقاعد .
( 6 ) الذود : ثلاثة أبعرة إلى العشرة أو خمسة عشر أو عشرين أو ثلاثين وهو مثل : أي إذا جمعت القليل مع القليل صار كثيرا ، فإلى بمعنى مع .