وقال وقد أعطيته ولبسته * نعم هذه أعطافه ومناكبه
فقال : ارجع إلى منزلك ، وافعل ما آمرك به ، فرجعت . فبعث إليّ سبعة آلاف دينار ، وقال : ادّخر هذه للحوادث من بعدي ، ولك الجراية والكفاية [ ما دمت حيّا ] « 1 » .
ويعجبني من المدائح الرافلة في حلل الحشمة قول هبة اللّه الأسطرلابيّ :
أهدي لمجلسه الكريم وإنّما * أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السّحاب وما له * فضل عليه لأنّه من مائه
ومثله قول القاضي الفاضل ، وقد كتب به إلى وزير بغداد :
يأيّها المولى الوزير ومن له * منن حللن من الزّمان وثاقي
من شاكر عنّي نداك فإنّني * من عظم ما أوليت ضاق نطاقي !
منن تخفّ على يديك وإنّما * ثقلت مؤونتها على الأعناق
* * *
ترسّل القاضي الفاضل
قلت : كان نظم القاضي الفاضل رحمه اللّه ونثره كفرسي رهان ، ولكنّ نثره أكثر مما نظمه . وأجمع الناس أنه أتى مع الإكثار بالعجائب . وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان في تاريخه أن مسوّدات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد ، وهو مجيد في أكثرها ، ولعمري إنّ الإنشاء الذي صدر في الأيام الأمويّة والأيام العبّاسيّة نسي وألغي بإنشاء الفاضل ، وما اخترعه من النّكت الأدبية ، والمعاني المخترعة ، والأنواع البديعية ، والذي يؤيّد قولي قول العماد الكاتب في الخريدة : إنه في صناعة الإنشاء كالشّريعة المحمّدية نسخت الشّرائع « 2 » .
ومن غرر نثره هذه الرّسالة التي أنشأها في حمائم الرّسائل ، وسحب فيها ذيل البلاغة والفصاحة على سحبان وائل ؛ وهي : سرحة لا تزال أجنحتها « 3 » تحمل من البطائق أجنحة ، وتجهّز « 4 » جيوش المقاصد والأقلام أسلحة ، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضّمائر ، وتطوي الأرض إذا نشرت الجناح الطائر ، وتزوي « 5 » لها الأرض حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمة ، وتقرب منها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا
هامش
( 1 ) من ب ، ج ، د وابن خلكان ، والخبر فيه في 2 / 176 .
( 2 ) ابن خلكان 1 / 284 .
( 3 ) أ : « بضمها » .
( 4 ) ب : « وتحرض » .
( 5 ) تزوي : تتجمع .