فقال ابن الفرات : ما أبعدكم من الخير « 1 » ! رجل توسّل بنا ، وتحمّل المشقّة إلى مصر ، وأمّل الخير بجاهنا ، والانتساب إلينا ؛ يكون حاله عند أحسنكم نظرا تكذيب ظنّه ، وتخييب سعيه ! واللّه لا كان هذا أبدا ، ثم أخذ القلم ، ووقّع على الكتاب المزوّر : هذا كتابي ، ولست أعلم لم أنكرت أمره ، واعترضتك فيه شبهة ! وليس كلّ من يخدمنا تعرفه ، وهذا رجل خدمني أيام نكبتي ، فأحسن تفقّده ورفده ، وصرّفه فيما يعود نفعه عليه . ثم ردّ الكتاب إلى أبي زنبور من يومه .
ومضت على ذلك مدّة طويلة إذ دخل على ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة ، وبزّة جميلة ، فأقبل يدعو له ، ويثني عليه ، ويبكي ويقبّل يديه والأرض ، فقال له ابن الفرات : من أنت بارك اللّه فيك ؟ قال : صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زنبور الّذي صحّحه كرم الوزير بفضله .
فضحك ابن الفرات وقال : كم وصل إليك منه ؟ قال : أوصل إليّ من ماله ومن قسط قسّطه على عماله عشرين ألف دينار . فقال ابن الفرات : الحمد للّه على صلاح حالك ، ثم اختبره فوجده كاتبا سديدا ، فاستخدمه « 2 » .
* * *
مصارع العشّاق
ذكر الحصريّ في كتابه المسمّى « الدرّ المصون في سر الهوى المكنون » أنّ الجاحظ ذكر للواثق لتأديب بعض أولاده ، فلمّا رآه استبشع منظره ، فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه .
قال الجاحظ : فخرجت من عنده . فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانحدار إلى مدينة السّلام ، فعرض عليّ الانحدار معه ، فانحدرت ، ونصبت ستارة وأمر بالغناء ، فاندفعت عوّادة تغنّي :
كلّ يوم قطيعة وعتاب * ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا * دون ذا الخلق أم كذا الأحباب !
ثم سكتت ، فأمرت طنبورية فغنّت :
وارحمتا للعاشقينا * ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون ويصرمو * ن ويقطعون فيصبرونا !
هامش
( 1 ) أ : « الجميل » .
( 2 ) الخبر في ابن خلكان 1 / 374 .