فتعجّبوا من شأنه وأكلوا ما شاء اللّه ، قال : فلم تذهب حلاوة ذلك الطعام والحلواء مدة طويلة ، وكلّ من أكل ذلك الطعام ، ما احتاج إلى طعام غيره مدة شهر . فلمّا أن فرغوا من الأكل حمل أحمد ما بقي منه وأدخله إلى أهله ، فأكلوا وشبعوا وبقي منه شيء ، فأجمع رأيهم على أن الطعام كان من غيب اللّه ، وأن الرسول كان ملكا من الملائكة .
قال صالح بن أحمد بن حنبل : ما أصابتنا مجاعة قطّ ما دام ذلك الزّنبيل في بيتنا ، وكان يأتينا الرزق من حيث لا نحتسب .
رضي اللّه عنهم وأعاد علينا من بركاتهم .
* * *
حكاية عبد اللّه بن معمر مع عتبة بن الحباب الأنصاري
قيل : إن عبد اللّه بن المعمر القيسي كان أميرا من أمراء العرب ، وكان بطلا ، شجاعا جوادا ، ذا مروءة وافرة ، قال :
حججت سنة من السنين إلى بيت اللّه الحرام وصحبت مالا كثيرا ، ومتجرا عزيزا ، فلمّا قضيت حجّي عدت لزيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فبينما أنا ذات ليلة بين القبر والمنبر في الروضة إذ سمعت أنينا عاليا ، وحسّا باديا ، فأنصتّ إليه فإذا هو يقول :
أشجاك نوح حمائم السّدر * فأهجن منك بلابل الصّدر
أم ذاد نومك ذكر غانية * أهدت إليك وساوس الفكر
في ليلة نام الخليّ بها * وخلّفت بالأحزان والذّكر
يا ليلة طالت على دنف * يشكو الغرام وقلة الصبر
أسلمت من يهوى لحرّ جوى * متوقد كتوقّد الجمر
فالبدر يشهد أنني كلف * بجمال شيء مشبه البدر
قال : ثم انقطع الصوت ، ولم أر من أين جاء ، فبهتّ حائرا ، وإذا به قد أعاد البكاء والنحيب وهو يقول :
أشجاك من ريّا خيال زائر * والليل مسودّ الذوائب عاكر
واعتاد مهجتك الهوى فأبادها * واهتاج مقلتك المنام الباكر
ناديت ليلى والظلام كأنه * يمّ تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه * ملك تبدّى والنجوم عساكر
وإذا تعرّضت الثريّا خلتها * كأسا بها حث السّلافة دائر
ونرى يد الجوزاء ترقص في الدجى * رقص الحبيب علاه سكر ظاهر
يا ليل طلت على حبيب ماله * إلا الصبّاح موازر ومسامر