فخرّ الرجل ساجدا للّه تعالى ، ثم رفع رأسه وبكى وقال : وا ندماه ! وا أسفاه ، وا لهفاه ! وكيف تركت عبادة الرحمن الرحيم ، واشتغلت بعبادة النيران ، وضيّعت العمر والزمان ! ثم قال : يا أمير المؤمنين ، لا حاجة لي في هذا المال ، خذه فهو حلال لك . فقال يا أمير المؤمنين : لا أرجع بشيء أمرني ربي بإخراجه .
فقال : يا أمير المؤمنين : لا حاجة لي في المال ، أشهدك أني قد جعلته صدقة في فقراء المسلمين لا حظّ لي فيه ولا لأحد من أهلي .
فقال الخليفة : يا معروف ، بقي الأمر إليك ، فاحمل المال وتصدّق به على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والأيتام والأرامل .
فدعا له معروف ، وأخذ بيد الرجل ، وحمل المال على البغال ، وصافحهما أمير المؤمنين ، وسأل الرجل أن يحاللّه عمّا وقع منه . ولازم الرجل معروفا الكرخيّ إلى أن مات . تغمّده اللّه برحمته !
* * *
معن بن زائدة وبعض الشعراء
وحكي عن معن بن زائدة الشيباني أن شاعرا قصده ، فأقام مدّة يريد الدخول إليه ، فلم يتهيأ له ذلك . فلمّا أعياه ذلك قال لبعض خدمه : إذا دخل الأمير البستان ، فعرّفني . فلمّا دخل معن البستان عرّفه الخادم عنه ، فكتب الشاعر بيتا من الشعر على خشبة وألقاها على الماء الداخل إلى البستان . فاتفق أن معنا كان جالسا في ذلك الوقت على رأس الماء ، فمرّت به ، فأخذها فإذا فيها كتابة ، فقرأها ، وهي :
أيا جود معن ناج معنا بحاجتي * فمالي إلى معن سواك شفيع
فقال : من صاحب هذه ؟ فدعي بالرجل ، فقال له : كيف قلت ؟ فأنشد البيت ، فأمر له بمائة ألف درهم ، فأخذها وأخذ الأمير الخشبة فوضعها تحت بساطه .
فلمّا كان اليوم الثاني ، قرأها ودعا بالرجل ، فدفع له مائة ألف درهم على العادة ؛ ثم دعاه ثالث مرّة ، فقرأ البيت ودفع له مائة ألف درهم . فلمّا أخذ الجائزة الثالثة ، خشي الشاعر أن يندم فيأخذ منه ما دفع إليه ، فسافر . فلمّا كان في اليوم الرابع طلبه معن فلم يجده ، فقال معن : حقّ عليّ لو مكث لأعطينه حتى لا يبقى في بيتي درهم ولا دينار .
* * *
معن بن زائدة وضيوفه من الأسرى
وحكي عنه أيضا أنه أتي بجملة من الأسرى ، فعرضهم على السيف . فقال له