فلمّا رأى أبو القاسم ذلك لطم على وجهه وصاح : وافقراه ! أفقرني هذا المداس . ثم قام يحفر له في الليل حفرة ، فسمع الجيران حسّ الحفرة فظنّوا أنه نقب ، فشكوه إلى الوالي فأرسل إليه من اعتقله ، وقال له : تنقب على الناس حائطهم ! اسجنوه . ففعلوا ، فلم يخرج من السجن إلى أن غرّم جملة مال . فأخذ المداس ورماه في مستراح الخان ، فسدّ قصبة المستراح وفاض ، فكشف الصناع ذلك حتى وقفوا على موضع السدّ فوجدوه مداس أبي القاسم ، فحملوه إلى الوالي وحكوا له ما وقع ، فقال :
غرّموه المصروف جملة ، فقال : ما بقيت أفارق هذا المداس ! وغسله وجعله على السطح حتى يجف ، فرآه كلب ظنّه رمّة ، فحمله وعبر به إلى سطح آخر فسقط على امرأة حامل فارتجفت وأسقطت ولدا ذكرا . فنظروا ما السبب ، فإذا مداس أبي القاسم .
فرفع إلى الحاكم فقال يجب عليه غرة « 1 » ، فابتاع لهم غلاما وخرج وقد افتقر ولم يبق معه شيء . فأخذ المداس وجاء به إلى القاضي وحكى له جميع ما اتفق له فيه ، وقال : أشتهي أن يكتب مولانا القاضي بيني وبين هذا المداس مبارأة بأنه ليس مني ولست منه ، وإني بريء منه ، ومهما فعله يؤاخذ به ويلزمه ، فقد أفقرني .
فضحك القاضي ووصله بشيء ، ومضى .
* * *
قصيدة ليزيد بن معاوية
هذه قصيدة ليزيد بن معاوية ، وهي عزيزة الوجود :
وسرب كعين الديك ميل إلى الصبا * رواعف بالجاديّ سود المدامع « 2 »
سمعن غناء بعد ما نمن نومة * من الليل فاقلولين فوق المضاجع
أيا دهر هل شرخ الشبيبة راجع * مع الخفرات البيض أم غير راجع !
قنعت بزور من خيال بعثنه * وكنت بوصل منهم غير قانع
إذا رمت من ليلى على البعد نظرة * لتطفي جوى بين الحشا والأضالع
يقول رجال الحيّ تطمع أن ترى * لليلى وصالا ، مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها * سواها وما طهّرتها بالمدامع
أجلّك يا ليلى عن العين إنّما * أراك بقلب خاضع لك خاشع
وما سرّ ليلى ما حييت بذائع * وما عهد ليلى إن تناءت بضائع
* * *
هامش
( 1 ) الغرة : الدية .
( 2 ) الجادي : الزعفران .