من أن أتفوّه معه بعذر ، وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر ؛ ولكن أقول :
إنّ الّذي خلق المكارم حازها * في صلب آدم للإمام السّابع
ملئت قلوب النّاس منك مهابة * وتظلّ تكلؤهم بقلب خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّني * أسبابها إلّا بنيّة طائع
فعفوت عمّن لم يكن عن مثله * عفو ولم يشفع إليك بشافع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا * وحنين والدة بقلب جازع
فقال المأمون : لا تثريب عليك اليوم ، قد عفوت عنك ، ورددت عليك مالك وضياعك ، فقلت :
رددت مالي ولم تبخل عليّ به * وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به * والمال حتّى أسلّ النّعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عارية رجعت * إليك لو لم تعرها كنت لم تلم
فإن جحدتك ما أوليت من كرم * إنّي إلى اللّؤم أولى منك بالكرم
فقال المأمون : إنّ من الكلام درّا وهذا منه . وخلع عليه ، وقال : يا عمّ ؛ إنّ أبا إسحاق والعبّاس أشارا بقتلك . فقلت : إنّهما نصحا لك يا أمير المؤمنين ؛ ولكن أتيت بما أنت أهله ، ودفعت ما خفت بما رجوت ، فقال المأمون : أمتّ حقدي بحياة عذرك ، وقد عفوت عنك ، ولم أجرّعك مرارة امتنان الشافعين .
ثم سجد المأمون طويلا ، ورفع رأسه ، وقال : يا عمّ ، أتدري لم سجدت ؟
قلت : شكرا للّه تعالى الّذي أظفرك بعدوّ « 1 » دولتك ، فقال : ما أردت هذا ؛ ولكن شكرا للّه الذي ألهمني العفو عنك ، فحدّثني الآن حديثك .
فشرحت له صورة أمري ، وما جرى لي مع الحجّام والجنديّ والمرأة والمولاة التي نمّت عليّ . فأمر المأمون بإحضارها وهي في دارها تنتظر الجائزة ؛ فقال لها : ما حملك على ما فعلت مع سيّدك ؟ فقالت : الرّغبة في المال ، فقال لها : ألك ولد أو زوج ؟ قالت : لا ، فأمر بضربها مائتي سوط ، وخلّد سجنها ثم قال : أحضروا الجنديّ وامرأته والحجّام ، فأحضروا ، فسأل الجنديّ عن السّبب الّذي حمله على ما فعل ، فقال : الرّغبة في المال ، فقال المأمون ؛ أنت يجب أن تكون حجّاما . ووكّل به من يلزمه الجلوس في دكان الحجام ليتعلّم الحجامة . وأكرم زوجته ، وأدخلها إلى القصر ، وقال : هذه امرأة عاقلة تصلح للمهمّات . ثم قال للحجّام : لقد ظهر من مروءتك ما
هامش
( 1 ) ب : « بأعداء » .