فأتى بقطرميز « 1 » لم تمسّه يد ، وجاءني بدنّ فيه شراب مطيّب ، وقال لي : روّق لنفسك ، فروّقت شرابا في غاية الجودة ، وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهة وأبقالا مختلفة في طسوت فخّار جدد ، ثم قال بعد ذلك : أتأذن لي - جعلت فداك - أن أقعد ناحية ، وآتي بشرابي فأشربه سرورا بك ؟ فقلت له : افعل ، فشرب وشربت ، ثمّ دخل إلى خزانة له ، فأخرج عودا مصفّحا ، ثم قال : يا سيّدي ، ليس من قدري أن أسألك في الغناء ، ولكن قد وجبت على مروءتك حرمتي ؛ فإن رأيت أن تشرّف عبدك فلك علوّ الرأي . فقلت : ومن أين لك أنّي أحسن الغناء ؟ فقال : يا سبحان اللّه ! مولانا أشهر من ذلك ؛ أنت إبراهيم بن المهديّ ، خليفتنا بالأمس ، الّذي جعل المأمون لمن دلّه عليه مائة ألف درهم .
فلمّا قال ذلك عظم في عيني ، وثبتت مروءته عندي ، فتناولت العود وأصلحته وغنّيت ، وقد مرّ بخاطري فراق أهلي وولدي :
وعسى الّذي أهدى ليوسف أهله * وأعزّه في السّجن وهو أسير
أن يستجيب لنا فيجمع شملنا * واللّه ربّ العالمين قدير
فاستولى عليه الطرب المفرط ، وطاب عيشه كثيرا ، ومن شدّة طربه وسروره قال لي : يا سيّدي ، أتأذن لي أن أغنّي ما سنح بخاطري ؛ وإن كنت من غير أهل هذه الصناعة ؟ فقلت : هذا زيادة في أدبك ومروءتك ؛ فأخذ العود وغنّى :
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا * فقالوا لنا : ما أقصر اللّيل عندنا
وذاك لأنّ النّوم يغشى عيونهم * سريعا ولا يغشى لنا النّوم أعينا
إذا ما دنا اللّيل المضرّ بذي الهوى * جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما * نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فو اللّه لقد أحسست بالبيت قد سار بي ، وذهب عنّي كلّ ما كان بي من الهلع ؛ وسألته أن يغنّي فغنّى :
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا * فقلت لها إنّ الكرام قليل « 2 »
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا * وتكرهه آجالهم فتطول
فداخلني من الطّرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السّكر ، فلم أستيقظ إلّا بعد المغرب .
هامش
( 1 ) القطرميز : وعاء زجاجي يصان فيه النقل .
( 2 ) للسموأل بن عادياء ، ديوانه 10 .