واللّه إن لم تقولي [ لي ] « 1 » ما أراد ابن الجهم فضحتك ، فضحكت وقالت : أراد به قوله :
عيون المها بين الرّصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري « 2 »
وأردت « 3 » أنا بقولي بأبي العلاء المعريّ قوله :
فيا دارها بالخيف إنّ مزارها * قريب ولكن دون ذلك أهوال « 4 »
ومثله ما هو منقول عن الإمام الحافظ فتح الدين ، أبي الفتح محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن سيّد الناس اليعمريّ ، أنّ الشيخ بهاء الدين بن النّحاس رحمه اللّه ، دخل إلى الجامع الأزهر فوجد أبا الحسين الجزّار جالسا وإلى جانبه مليح ، ففرّق بينهما ، وصلّى ركعتين . ولمّا فرغ قال لأبي الحسين :
ما أردت إلّا قول ابن سناء الملك ؛ فقال أبو الحسين الجزّار : وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السّراج الورّاق ؛ أمّا مراد الشيخ بهاء الدين فهو إشارة إلى قول ابن سناء الملك :
أنا في مقعد صدق * بين قوّاد وعلق
وأما مراد أبي الحسين الجزار من قول السّراج الورّاق فهو :
ومهفهف راض « 5 » الأبيّ * فقاده سلس القياد
لمّا توسّط بيننا * جرت الأمور على السّداد
فبلغ كلّ منهما ما أراد من صاحبه ، ولم يشعر أحد بمراد الاثنين غيرهما .
* * *
نوادر الأذكياء
قلت : وبالنّسبة إلى هذا الذكاء المفرط الصّادر من هؤلاء القوم يتعيّن أن نورد هنا نبذة من كتاب الأذكياء لابن الجوزي .
فمن ذلك ما روي عن منصور بني العباس وهو أنّه جلس يوما في أحد قباب المدينة ، فرأى رجلا ملهوفا يجول في الطّرقات ، فأرسل إليه من أتاه به ، فسأله عن حاله ، فأخبره أنّه خرج في تجارة فأفاد فيها مالا كثيرا وأنّه رجع بها إلى زوجته ، ودفع المال إليها ، فذكرت المرأة أنّ المال سرق من المنزل ، ولم ير نقبا ولا مسلقا ، فقال له
هامش
( 1 ) تكملة من ط ، ب .
( 2 ) ديوانه : 141 .
( 3 ) في ط : « وعنيت » .
( 4 ) ديوانه 1248 ، وروايته : « فيا دارها بالحزن » .
( 5 ) في ب « رام » .