فلانة ؟ قال : حبّها في اللّحم والدّم والمخّ والعصب . قال : أتعرفها إن رأيتها ؟
قال : لو أدخلت الجنّة لم أنكرها ، فأمرها عبد اللّه أن تخرج إليه ، وقال له : إنّما اشتريتها لك ، وو اللّه ما دنوت منها ، فشأنك بها ، بارك اللّه لك فيها ، فلمّا ولّى ، قال : يا غلام ، احمل إليه « 1 » مائة ألف درهم . قال : فبكى عبد الرحمن ، وقال : يا أهل البيت ، لقد خصّكم اللّه بشرف ما خصّ به أحدا من صلب آدم ، فهنأكم اللّه بهذه النّعمة ، وبارك لكم فيها .
ولقد تقرر أن أجواد الإسلام أحد عشر جوادا ، ذكرت من جود بعضهم ما تيسّر .
وقال صاحب العقد : إنّه جاء بعدهم طبقة أخرى ، وهي الطّبقة الثانية ؛ فمنهم الحكم بن حنطب ، قيل : سأله أعرابيّ فأعطاه خمسمائة دينار فبكى الأعرابيّ ، فقال له : لعلّك استقللت ما أعطيناك ! فقال : لا واللّه ، ولكنّي أبكي لما تأكل الأرض منك ، ثم أنشد :
فكأنّ آدم حين قرب وفاته * أوصاك وهو يجود بالحوباء « 2 »
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم * وكفيت آدم عيلة الأبناء
وحكي عن العتبيّ أنّه قال : حدّثني رجل من منبج ، قال : قدم علينا الحكم بن حنطب وهو مملق فأغنانا ، فقلت : وكيف أغناكم وهو مملق ؟ فقال : علّمنا المكارم فعاد غنيّنا على فقيرنا « 3 » .
ومنهم معن بن زائدة ، يقال فيه : حدّث عن البحر ولا حرج ، وحدّث عن معن ولا حرج . أتاه رجل يستحمله فقال : يا غلام ، أعطه فرسا وبرذونا وبغلا ، وعيرا ، وبعيرا ، وجارية ، ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتك .
ومنهم يزيد بن المهلّب ، قيل : كان هشام بن حسّان إذا ذكره قال : واللّه كانت السّفن تجري في بحر جوده ، حكى الأصمعيّ : أنّه قدم على يزيد قوم من قضاعة ، فقال رجل منهم :
واللّه ما ندري إذا ما فاتنا * طلب إليك من الّذي نتطلّب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد * أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عوّدتنا * أو لا ، فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار « 4 » .
هامش
( 1 ) كذا في ط ، وفي باقي الأصول : « معه » .
( 2 ) الحوباء : النفس .
( 3 ) العقد 1 / 349 .
( 4 ) ابن خلكان 2 / 266 .