استنجاز المواعيد
قلت : وما ظنّك بشيء قد جعله اللّه في كتابه العزيز مدحة وفخرا لأنبيائه ؟
فقال :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
[ مريم : 54 ] ، ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ، 3 ] لكفى .
وقال عمر بن الحارث : كانوا يفعلون ولا يقولون ، فصاروا يقولون ولا يفعلون ، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون ، فزعم أنهم ضنّوا بالكذب فضلا عن الصّدق .
ويعجبني قول العبّاس بن الأحنف :
ما ضرّ من شغل الفؤاد ببخله * لو كان علّلني بوعد كاذب « 1 »
صبرا عليك فما أرى لي حيلة * إلا التّمسك بالرّجاء الخائب
سأموت من مطل وتبقى حاجتي * فيما لديك ومالها من طالب
وذكر حيّان بن سليمان عامر بن الطّفيل ، فقال : واللّه كان إذا وعد الخير وفي ، وإذا وعد الشّرّ أخلف ، وهو القائل :
ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي * ويأمن منّي صولة المتهدّد « 2 »
وإنّيو إن أوعدته أو وعدته * لمخلف إبعادي ومنجز موعدي
وقال ابن خازم :
إذا قلت عن شيء نعم فأتمّه * فإنّ « نعم » دين على الحرّ واجب
وإلّا فقل « لا » ، تسترح وترح بها * لئلّا يظنّ الناس أنّك كاذب
ويعجبني قول عبد الصمد الرقاشيّ في خالد بن ديسم عامل الرّيّ ، وقد أبطأ عليه بوعد :
أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بنا * وضاق علينا رحبها ومعاشها « 3 »
وقد أطمعتنا منك يوما سحابة * أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها
فلا غيمها يصحو فيرجع طامع * ولا ودقها يهمي فيروى عطاشها
ومن البلاغة المرقصة في هذا الباب خطاب كوثر بن زفر وقد وعده يزيد بن
هامش
( 1 ) البيت الأول في عيون الأخبار 3 / 146 .
( 2 ) عيون الأخبار 3 : 144 والبيت الثاني في اللسان « وعد » .
( 3 ) عيون الأخبار 3 : 145 .