مروان بن محمد حتى إذا كنّا ببعض الطّريق أصابنا مطر وابل ، فملنا إلى قصر رفع « 1 » لنا فصرنا إلى فنائه ، إذ خرجت وليدة فقالت : بأبى وأمي ! من أين أنتم ؟
فقلنا : من مكة . فتنفست الصّعداء ، وأنشأت تقول :
من كان ذا سكن بالشّام يألفه * فإنّ في غيره أمسى لي السّكن
وإنّ ذا القصر حىّ ما به وطنى * لكن بمكة أمسى الأهل والوطن
من ذا يسائل عنّا أين منزلنا * فالأقحوانة منّا منزل قمن
إذ نلبس العيش صفوا ما يكدّره * ضغن الوشاة ولا ينبوبنا الزّمن « 2 »
قال : فمضينا في غزونا حتى إذا قضينا شأننا وقفلنا راجعين ، أخذنا المساء عند ذلك القصر ، فأضافنا صاحبه وأحسن ضيافتنا ، فقلت له : ثمّ حاجة . فقال : وما هي ؟
قلت : وليدة صفتها كذا ، إما أن تبيع وإما أن تهب ، فقال : ما شاء اللّه كان ، واللّه لو كانت حية ما مضيت إلّا بها ، ولكنها ماتت منذ أيام تلهفا على مفارقة من نشأت معه .
روينا من وجوه أن أبا خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقيه مكة « 3 »
هامش
( 1 ) في ا : وضع .
( 2 ) الأبيات للحارث بن خالد المخزومي ، انظرها في الأغانى 3 / 325 ، وانظر البيت الثالث في الكامل 2 / 17 ، والرواية فيه وفي ا : من كان يسأل عنا أين منزلنا ، والأقحوانة : موضع قرب مكة .
( 3 ) كان إمام أهل الحجاز في عصره ، ويعد أول من صنف التصانيف في العلم بمكة ، وهو رومى الأصل من موالى قريش ، مكي المولد والوفاة ، مات سنة 150 . انظر تاريخ بغداد 10 / 400 ( الأعلام 4 / 305 ) .