والقمر وعلموا بنور الهدى إنما خلق اللّه ذلك ليطاع ولا يعصى ، وعلموا أن الجنة جزاء لمن أطاعه والنار جزاء لمن عصاه . فاستعملوا قلوبهم بالفكرة ، وجالت أبصارهم في مصنوعات اللّه بالعبرة فلا يقدر واحد منهم أن يباشر شيئا من المنكرات ، ولا يضيع شيئا من الطاعات .
[ « 426 » ] النور هو الهدى
قال بعض أهل العلم : أراد اللّه تبارك وتعالى بهذا النور الهدى ، وليس المراد به نور شعاع ولا ضياء لأن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بلون من الألوان ، ولا يشبه بملك ولا إنسان ،
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] وقال بعض العلماء : هذا مثل ضربه اللّه بارك وتعالى في وصف نور محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي هدى به المؤمنين ، واستنقذهم به من موارد الهالكين ، لأن اللّه تعالى رحم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم العباد ، وأنقذهم به من جهنم وبئس المهاد . وأوجب لهم الاقتداء بنور الجنة ، وأعظم عليهم به المنة . ثم قال تعالى
فِيها مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] يعني سراجا ،
الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[ النور : 35 ] الآية . فشبه اللّه تعالى القنديل في شدة بياضه وتلألؤه بكوكب دري ، يوقد ذلك المصباح بزيت من شجرة لا شرقية ولا غربية ، أي لا بارزة للشمس كل النهار فتحرقها الشمس بحرها ، ولا غربية أي ولا مستترة بالظل فيوذيها الظل ببرده كل النهار ، ولكنها شرقية غربية تصيبها الشمس بعض النهار ، وإذا كانت الشجرة كذلك فهو أنضر لها وأجد لحملها وأنور لزيتها . ثم قال تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
[ النور : 35 ] أي ولو لم يسرج به من شدة صفائه .
تم الكلام ، ثم ابتدأ تعالى فقال
نُورٌ عَلى نُورٍ
[ النور : 35 ] يعني نور المصباح على نور الزجاجة وصفاء الزيت . وهذا مثل ضربه الملك الجبار ، لقلوب المؤمنين الأبرار ، قال سبحانه وتعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] فنور الهدى إذا دخل القلب انفسح وانشرح وزالت عنه الأسباب المانعة عنه الضلالة والمعصية فعند ذلك ذكر الجوارح بالأعمال الموجبة لدار
هامش
( 426 ) حديث « إن في ابن آدم لمضغة » .
البخاري : كتاب الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ( 52 ) من حديث النعمان بن بشير ، مسلم :
كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ( 1599 / 107 ) .