وسراج أهل الجنة في الجنة ، قال هذا عند الفراق والانقطاع وأشفق من هول المطلع ، فكيف بأهل اللهو واللعب ، والبهتان والكذب ، أمثالنا الذين قطّعوا أعمارهم في الذنوب ، وأفنوا أيامهم في معصية علّام الغيوب ، وغفلوا عن القبور ، ولم يتفكروا في هول يوم النشور ؟ ! واللّه أعلم وأنشدوا :
أراني كلّ يوم في انتقاص * وبعد لا يزول وطول هجر
وأيامي تمر بغير شيء * وعمر المرء في الأيام يسري
ألا خطوا على قبري كتابا * وقولوا قبر ذي ظلم وغدر
أتى الدنيا وفارقها فقيرا * وكل فتى على ذا النهج يجري
وقولوا حين أدفن أي عبد * أتى مولاه في ذلّ وفقر
حكي عن داود الطائي رحمه اللّه أنه مرّ على امرأة تبكي على قبر وهي تقول :
عدمت الحياة ولا نلتها * إذا أنت في القبر قد ألحدوكا
فكيف أذوق لذيذ الكرى * وأنت بيمناك قد وسّدوكا
قال داود : فلمّا سمعت تذكرت في الأحباب والأخدان ، والأصحاب والأخدان ، لا يرى لهم آثار ، ولا على الأرض منهم ديار :
أمرّ على القبور وأرتقيها * كأني ليس لي فيها حبيب
وأكره أن أسائلها فإني * أراها حين تسأل لا تجيب
[ 326 ] عظة نفيسة
عباد اللّه ما مضى من مضى إلى القبور الحالية من الأمم الخالية لتبقوا بعدهم إلّا النذر اليسير الذي بقي من أعماركم ثم تنتبهون إلى القبور ، وتخرجون من سعة القصور والدور . والحمد للّه يا معشر المؤمنين وجماعة إخواني المسلمين جدوا واجتهدوا ، وبالعمل الصالح فاستعدوا ، وقدموا لأنفسكم ما تجدوه في المقابر ، وابكوا عليها قبل حلولها في الحفائر . وأنشدوا :
لكل أناس مقبر بفنائهم * فهم في انتقاص والقبور تزيد
وفي محشر الموتى أمام قبورهم * فما منهم من للحياة يعود