واعلموا عباد اللّه أن ما من جماعة وإن كثرت إلّا والموت يقللها . حتى يفنيها عن آخرها وإنما أعمارها عوار والعارية لا تبقى ، يرجع الكلّ إلى اللّه تعالى يفصل بينهم بالحق وهو خير الفاصلين ، فشقي وسعيد ، ومنعم ومعذب . وأنشدوا :
وما أهل الحياة لنا بأهل * ولا دار الفناء لنا بدار
وما أموالنا إلّا عوار * سيأخذها المعير من المعار
[ 284 ] ملاقاة الأرواح
روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إذا عرج بروح المؤمن تلقته أرواح المؤمنين بالرحمة والبشرى كما يتلقى الغائب في الدنيا ، ثم يقبلون عليه فيسألونه فيقولون :
ما فعل فلان وما حاله ؟ فيقول : بخير تركته واللّه على طريقة حسنة . فيقولون : يا ربنا أنت هديته لذلك فثبته عليه حتى تقبضه ، وإن سألوه عن إنسان قد مات فيقول :
قد هلك فيقولون : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، عمل واللّه بغير عملنا فسلك به غير طريقنا ، ذهب واللّه به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية .
[ 285 ] أعمال الأحياء والأموات
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تعرض على الموتى أعمالكم فإن رأوا خيرا استبشروا به وقالوا : اللهم هذه نعمتك فأتممها على عبدك ، وإن رأوا سيئة اغتموا لها وقالوا :
اللهم راجع بعبدك » قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فلا تحزنوا أمواتكم بأعمالكم السيئة فإن أعمالكم تعرض عليهم » فاللّه اللّه عباد اللّه اجتهدوا في اكتساب الحسنات ، واجتنبوا في ليلكم ونهاركم السيئات ، فإن ذلك محزن الأهل والأقربين من الأموات .
واعملوا في صحتكم قبل السقم ، وقدموا في شبابكم قبل الهرم ، فإن الموت إذا جاء لا يرجع ، وسهامه إذا فوقها لا تدفع ، وكأسه إذا أدارها لا تنزع ، حياضه مورودة ، وساعاته معدودة ، وأهواله مشهودة والحيلة عند نزوله مفقودة غير موجودة . وأنشدوا :
الموت حتم حوضه مورود * والموت يفني جمعنا ويبيد
والموت يحكم في النفوس بحتفها * وله على تنفيذ ذاك جنود
والموت يفسد مهجة الملك الذي * قد عززته عساكر وجنود
وقلوبنا في كل ذا مشغوفة * حبّا لدار زهرها معقود