قال : فافهمه وقس « 34 » عليه .
المسألة السادسة : ان المباني والمصانع في الملة الاسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها وإلى من كان قبلها من الأمم
وذلك لامرين :
أحدهما : ما ذكر على البربر ، بعينه ، لان العرب أعرق في البدو وأبعد عن الصنائع .
الثاني : أنهم كانوا قبل الاسلام أجانب من الممالك التي استولوا عليها ، ولما تمالكوها لم ينفسح الامر حتى تستوفي رسوم الحضارة ، مع أنهم استغنوا بما وجدوا من ذلك لغيرهم « 35 » .
زاجر « 36 » دين : قال ابن خلدون : لا خفاء أن الدين إذ ذاك ، كان مانعا لهم من المغالاة في البنيان والاسراف فيه . وقد عهد لهم عمر رضي الله عنه ، حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل . فقال : افعلوا ، ولا يزدن أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان ، والزموا السنة ، تلزمكم الدولة ، وعهد للوفد : وتقدم إلى الناس الا يرفعوا بنيانا فوق القدر . قالوا : وما القدر ؟ قال : ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد « 37 » .
تغيير حال : قال : ولما بعد العهد بالدين ، والتحرج في أمثال هذه المقاصد ، وغلبت طبيعة الملك والترف ، واستخدم العرب أمة الفرس ، وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ، فحينئذ شيدوا المباني والمصانع . وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدولة ، ولم ينفسح الامر لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار الا قليلا .
وليس كذلك غيرهم من الأمم ، فالفرس والقبط والنبط والروم ، طالت
هامش
( 34 ) اختلاف مع نص ، مقدمة ، ج 3 ، ص 990 .
( 35 ) استند على مقدمة ، ج 3 ، ص 990 - 991 .
( 36 ) د . ك . م : حاجز .
( 37 ) استند على مقدمة ج 3 ، ص 991 ، واخذ ابن خلدون مادته من تاريخ الطبري ( طبعة دار القاموس الحديث بيروت ) ج 4 ، ص 191 .