قلت : هذا الفصل سلك فيه ابن خلدون مسلكا غريبا ، وادعى ان اعمار الدول لا تعدو في الغالب عمر ثلاثة أجيال ، والجيل عمر شخص واحد على التوسط وهو أربعون سنة ، منتهى النمو إلى غايته ، ومجموع ذلك مائة وعشرون سنة ، العمر الطبيعي للاشخاص على زعم الأطباء والمنجمين . ثم قرر ذلك بما حاصله :
[ الجيل الأول : ]
ان الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها من البسالة ، والاشتراك في المجد ، والصبر على شظف العيش . وذلك حافظ لسورة العصبية ، فلا يزال جانبهم مرهوبا ، والناس لهم مغلوبون « 339 » .
والجيل الثاني :
يتحولون من البداوة إلى الحضارة ، ومن الشظف إلى الترف ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به ، وكسل الباقين عن السعي فيه ، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة . فتنكسر من سورة العصبية ، وتبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول وباشروا من أحوالهم في سعيهم ، ثم إلى المجد وتراميهم إلى الدفاع والحماية ، فلا يسعهم تركه بالكلية ، رجاء في رجوع تلك الأحوال السالفة .
والجيل الثالث :
ينسون عهد البداوة كأن لم تكن ، ويبلغ الترف فيهم غايته ، وتسقط منهم العصبية بالجملة . ويعجزون عن الحماية والمطالبة ، ويتلبسون بالشارة والزي وركوب الخيل ، وحسن الثقافة ، وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها . فإذا جاء المطالب لهم ، لم يقاوموا مدافعته ، فيضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ، والاستكثار من اصطناع من يغنى عن الدولة بعض الفناء ، حتى يأذن الله بانقراضها « 340 » .
قال : فهذه ثلاثة أجيال ، فهي تكون هرم الدولة ، الا ان عرض عارض من فقدان المطالب ، فيكون الهرم حاصلا ، والمطالب لم يحضرها ، ولو جاء لما وجد مدافعا
« فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »
« 341 » .
هامش
( 339 ) م : مغلوبين .
( 340 ) استند ، مقدمة : ج 2 ، ص 655 - 657 .
( 341 ) آية 16 ، سورة 16 .