شهادة : قال ابن خلدون : وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر ، لأنهم الغالبون لهم حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ، ولها الغلب عليها ، فيسرى إليهم من هذا التشبيه والاقتداء حظ كبير ، كما في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة ، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم ، حتى في رسم التماثيل في الجدارن والمصانع والبيوت ، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة :
أنه علامة الاستيلاء ، والأمر لله « 317 » .
قلت : وصدق في ذلك ، والله تعالى المسؤول في العصمة مما يدل عليه ذلك .
قال : وتأمل في هذا سر قولهم : « الناس على دين الملك » فإنه من بابه ، إذ الملك غالب ، لمن تحت يده ، والرعية مقتدون به ، لاعتقاد كماله اقتداء « 318 » الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم . والله العليم الحكيم « 319 » .
المسألة الثالثة عشرة : ان الأمة إذا غلبت وصارت في ملكة غيرها ، اسرع إليها الفناء
والسر فيه ، والله اعلم أمران :
أحدها : ان النفس إذا ملك عليها امرها ، وصارت بالاستعباد آلة لسواها ، حصل فيها من التكلف « 320 » ما يقصر به الامل الذي به التناسل والاعتمار ، لما يحدث عنه من نشاط القوى الحيوانية . فإذا ذهب الامل وتبعه ما يدعو اليه من الأحوال مع ذهاب العصبية بالغلب « 321 » عليها ، تناقص « 322 » عمرانهم « 323 » وتلاشت « 324 » مكاسبهم « 325 » وسواء كانوا
هامش
( 317 ) اختلاف يسير في اللفظ مع نص ، مقدمة ، ج 2 ، ص 621 .
( 318 ) أ . ب . د . اعتقاد .
( 319 ) موافقة واستنادا على « مقدمة » ج 2 ، ص 621 .
( 320 ) س : التكامل .
( 321 ) س : فالغالب .
( 322 ) أ ، ب ، ج : تناقض .
( 323 ) م : عمرانها .
( 324 ) س : وتلاشي .
( 325 ) م : مكاسبها .