المملكة ، ثم يختارونه من أهل الدين والفضل والأدب والشجاعة والكرم ، ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل ، وألا يتخذ ضيعة ، فيضر بجيرانه ، ولا يتجر فيحب غلاء الأسعار في البضائع ، ولا يستخدم العبيد ، فإنهم لا يسيرون بخير ولا مصلحة » « 191 » .
قلت : وبذلك عمل خلفاء الملة الاسلامية . فقد روى عن عمر رضي الله عنه كان يكتب إلى عماله بمنعه وعن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه : أنه كانت له سفينة يحمل فيها الطعام ، وهو أمير المدينة ، فيبيعه فيها ، فنهاه محمد بن كعب « 192 » القرظي . وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما وال تجر في رعيته فقد هلكت رعيته . قال : فأمر بذلك الطعام ، فتصدق به ، وفككها ، وتصدق بخشبها .
الآفة الرابعة : نقص عطاء السلطان .
ووجه اخلاله بمال الجباية أمران :
أحدهما : أن الدولة هي السوق الأعظم للعالم ، والمادة المتصلة لعمرانه .
فإذا احتجن السلطان المال أو فقده ، قل ما بيد الحامية ، وانقطع مأمنهم لاتباعهم ، فقلت نفقاتهم التي هي أكبر مادة الأسواق ، إذ هم معظم السواد ، وذلك موجب للكساد ، وضعف أرباح المتاجر ، فتقل الجباية لضعف مادتها ، ويرجع وبال ذلك على الدولة من حيث قصد حسن النظر لها « 193 » .
الثاني : أن المال متردد بين الرعية والسلطان وهو حكمة ايجاده ، منهم اليه ، ومنه إليهم فإذا حبسه السلطان فقدته الرعية ، سنة الله في عباده « 194 » .
المسألة الثالثة : في الوقت الذي تعظم فيه ثروة السلطان وحاشيته ،
وذلك في وسط الدولة لا في مبدأ ظهورها ، ولا عندما يدركها الهرم ، فهما إذا حالتان .
هامش
( 191 ) مقدمة ج 2 ص 844 .
( 192 ) محمد بن كعب القرظي ، من كبار التابعين ، ولد ونشأ بالكوفة . ثم انتقل إلى مكة . وروى عن كبار الصحابة . وقد قيل إنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوفي سنة 103 ه ، وقيل 117 ه .
شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج 1 ص 136 .
( 193 ) استند على مقدمة ج 2 ص 849 .
( 194 ) استند على مقدمة ج 2 ص 849 .