منها أنّهم قالوا : إنّ الخرص من المزابنة « 1 » في البيع .
وقالوا أيضا : هو كالقمار والمخاطرة التي لا يدرى فيها أيّ الفريقين يذهب بمال صاحبه . وقالوا : إنّما كان الخرص للنّبي خاصّة . لأنّه كان يوفّق من الصّواب لما لا يوفّق له غيره . وقالوا كذلك : القرعة لا تجوز لأحد بعد « 2 » .
والخرص والقرعة سنّتان ماضيتان ، قد عمل [ بهما ] « 3 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعملت بهما الأئمة والعلماء بعده . فأمّا تشبيههم الخرص بالمزابنة في البيع ، وإبطالهم إيّاه في الصّدقة من أجل البيع ، فإنّ شرائع الإسلام أمّهات ، لا يقاس بعضها ببعض ؛ لأنّ لكلّ واحدة منهنّ حكما غير الأخرى . ولو احتجّ محتجّ على قائل هذا ، فقال له : إن جاز لك أن تجعل البيع أصلا تقيس عليه الصّدقة ، فإنّي أجعل الصّدقة أصلا أقيس عليه البيع ، ما كان دعواهما إلّا واحدا ، [ وكلاهما ] « 4 » كان أخذ في غير الصّواب .
وأمّا قولهم : إن الخرص كالقمار والمخاطرة . فإنّما قصد بالخرص قصد البرّ والتّقوى ، ووضع الحقوق في مواضعها ، / وقصد بالقمار قصد الفجور والزّيغ عن الحقّ ، وأخذ الأموال بالباطل . فكم بين هذا وذلك ؟ ومتى يستوي [ الغيّ ] « 5 » بالرّشاد ؟ مع [ أنّ ] « 6 » الذي جاء بتحريم القمار والمزابنة في البيع ، هو الذي سنّ الخرص وأباحه وعمل به ، وكفانا وإيّاهم مئونة النّظر في ذلك . فما جعل قوله هناك مقبولا ، وهاهنا مردودا ؟ .
وأمّا قولهم : إنّ النبي كان يوفّق من الخرص والقرعة لما لا يوفّق له غيره . فإنّ من
هامش
( 1 ) المزابنة : مفاعلة من الزّبن - بفتح الزاي وسكون الموحدة - وهو الدفع الشديد . . . وقيل للبيع المخصوص :
مزابنة ، كأنّ كلّ واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقّه ، كذا في نيل الأوطار 5 : 279 . ثمّ ذكر عدّة صور للمزابنة عن عدد من العلماء . والمخاطرة من الخطر - بالتحريك - وهو الرّهن . انظر لسان العرب 4 : 251 .
( 2 ) كذا في الأصل . وأرى أنّ ( بعده ) أولى منها .
( 3 ) من أبي عبيد . وكان في الأصل ( بها ) .
( 4 ) كذا عند أبي عبيد . وفي الأصل ( كليهما ) .
( 5 ) في الأصل ( الغنى ) . وهو خطأ ظاهر . والتصويب من أبي عبيد .
( 6 ) ليست في الأصل ، زدتها من أبي عبيد لضرورتها .