غير أنّ مالكا أشدّهم في ذلك قولا . كان يرى أن تضمّ أصناف الحبوب كلّها ، بعضها إلى بعض ، فإذا بلغت معا خمسة أوسق ، أخذت منها الصّدقة « 1 » .
وأمّا الأوزاعيّ وأهل العراق ، فإنّهم كانوا لا يرون في شيء من ذلك صدقة ، حتى يبلغ كلّ نوع منها على حياله ، خمسة أوسق فصاعدا « 2 » .
ولا يعجبنا شيء من ذلك . والذي نختاره « 3 » في ذلك الاتّباع لسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والتّمسّك بها . أنّه لا صدقة في شيء من الحبوب ، إلّا في البرّ والشّعير . ولا صدقة في شيء من الثّمار ، إلّا في النّخل والكرم ؛ لأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يسمّ إلّا إيّاها . مع قول من قال به من الصّحابة والتّابعين . ثمّ اختيار ابن أبي ليلى وسفيان إيّاه ؛ لأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين خصّ هذه الأصناف الأربعة للصّدقة ، وأعرض عمّا سواها ، قد كان يعلم أنّ للناس أموالا وأقواتا ، ممّا تخرج الأرض سواها . فكان تركه ذلك وإعراضه عنه عفوا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرّقيق .
وإنّما يحتاج إلى التشبيه والتمثيل ، فيما لا توجد فيه السّنّة . فإذا وجدت السّنّة قائمة ، لزم الناس اتّباعها ، على ما وافق الرّأي وخالفه .
مع أنّ التّمسّك بالسّنّة في ذلك ، أصحّ عندنا في مذهب الرّأي والقياس من تشبيه من شبّه وتمثيل من مثّل بخلافها .
ألا ترى أنّ اللّه - جلّ ثناؤه - لما قال لنبيّه :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
« 4 » ، لم يأخذ إلّا من الذّهب والفضّة والإبل والبقر والغنم والبرّ والشّعير والنّخل والكرم ؟ وأنّك إذا تدبّرت ذلك ، وجدته أربعة أصناف : العين ، والماشية ، والثّمار ، والحرث . ثمّ وجدته قد أخذ من كلّ صنف من الأربعة من أغلبه وأكثره . وعفا عمّا يتبعه من صنفه ، وإن كان / شبيها به .
هامش
( 1 ) وانظر قول مالك في الموطأ 1 : 275 ، وعند أبي عبيد 571 .
( 2 ) وقول الأوزاعيّ وأهل العراق المشار إليه ، أخرجه أبو عبيد 571 .
( 3 ) الذي اختاره ابن زنجويه هنا موافق لما اختاره شيخه أبو عبيد . بل إنّ عباراته في هذه الفقرة ، تكاد تكون موافقة لعبارات أبي عبيد . انظر أبا عبيد 575 .
( 4 ) سورة التوبة : 103 .