وفيه أنّه شرط لهم شروطا عند إسلامهم خاصّة لهم دون الناس . مثل تحريمه واديهم ، وأن لا يغيّر طائفهم ، ولا يدخله أحد يغلبهم عليه . وأن لا يؤمّر عليهم إلّا بعضهم .
وهذا مما قلت لك ، إنّ الإمام ناظر للإسلام وأهله ، فإذا خاف من عدو غلبة ، لا يقدر على دفعهم إلّا بعطيّة يردّهم بها ، فعل . كالذي صنع النبي صلى اللّه عليه وسلم بالأحزاب يوم الخندق .
وكذلك لو أبوا أن يسلموا إلّا على شيء يجعله لهم ، وكان في إسلامهم عزّ للإسلام ، ولو يأمن معرّتهم وبأسهم / أعطاهم ذلك ، فيتألّفهم به . كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمؤلفة قلوبهم ، إلى أن يرغبوا [ في الإسلام ] « 1 » وتحسن فيه نيّاتهم .
وإنّما يجوز من هذا ، ما لم يكن فيه نقض للكتاب ولا السّنة . بيّن ذلك أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يجعل لهم فيما أعطاهم تحليل الرّبا . ألا تراه قد شرط عليهم أنّ لهم رؤوس أموالهم . وأنّ ما كان أصله في الجاهلية ، فهو - إذا كان ابتداؤه في الإسلام - أشدّ تحريما ، وأحرى أن لا يجوز ؟
وقد روي في بعض الحديث ، أنهم كانوا سألوه قبل ذلك ، أن يسلموا على تحليل الزّنا والرّبا والخمر ، فأبى ذلك عليهم ، فرجعوا إلى بلادهم ، ثمّ عادوا إليه راغبين في الإسلام ، فكتب لهم هذا الكتاب « 2 » .
( 740 ) وهذا كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأهل دومة الجندل :
حدثنا حميد قال أبو عبيد : أمّا هذا الكتاب ، فأنا قرأت نسخته ، أتاني به شيخ هناك ، مكتوب في قضيم قطعة جلد ، فنسخته حرفا بحرف ، فإذا فيه :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد رسول اللّه لأكيدر « 3 » حين أجاب إلى
هامش
( 1 ) زدتها تبعا لأبي عبيد ، والسياق يقتضيها .
( 2 ) انظر أبا عبيد 251 .
( 3 ) هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجنّ ، يصرح هذا الحديث أنّه أسلم ، وممن قال بإسلامه ابن منده وأبو نعيم ، لكن ردّ عليهما ابن الأثير بأن لا خلاف بين أهل السّير أنّه كان نصرانيا ، وأنّ خالد بن الوليد قتله زمن أبي بكر كافرا . ذكر جميع ذلك الحافظ في الإصابة 1 : 31 . وأورده في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة على سبيل الغلط . وذكر أيضا عن الواقدي أنّه قرأ الكتاب الذي كتب لأكيدر بنحو لفظ أبي عبيد ، وردّ عليه بأن نقل عن البلاذريّ أن أكيدر أسلم ثم ارتدّ فقتله خالد .