كنا بباب بعض ولاة المدينة ، فغرضنا من طول الثّواء « 1 » ، فإذا أعرابىّ يقول : يا معشر العرب ، ما فيكم من يأتيني أعلّله « 2 » وأخبره عنّى وعن أمّ جحدر ؟ فجئت إليه فقلت : من أنت ؟ قال : أنا الرّمّاح بن أبرد « 3 » . فقلت :
أخبرني ببدء أمركما . فقال :
كانت أمّ جحدر من عشيرتي ، فأعجبتنى وكانت بيني وبينها خلّة ، ثمّ إنّى عتبت عليها من شيء بلغني عنها ، فأتيتها فقلت : يا أمّ جحدر ، إنّ الوصل عليك مردود . فقالت : ما قضى اللّه فهو خير . فلبثت على ذلك سنة « 4 » ، وذهبت بهم نجعة فصاعدوا « 5 » ، واشتقت إليها شوقا شديدا ، فقلت لامرأة أخ لي :
واللّه لئن دنت دارنا من دار أمّ جحدر لآتينّها ، ولأطلبنّ إليها أن ترجع إلى وصلى ، ولئن ردّته لا نقضته أبدا ! ولم يكن يومان حتّى رجعوا ، فلما أصبحت غدوت عليهم ، فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سند أبرق طويل « 6 » ، وإذا امرأتان جالستان في كساء واحد بين البيتين ، فسلّمت فردّت إحداهما ولم تردّ الأخرى ، فقالت : ما جاء بك يا رمّاح إلينا ؛ ما كنّا حسبنا إلّا أنّه قد انقطع ما بيننا وبينك ! فقلت : إنّى جعلت نذرا ، لئن دنت بأمّ جحدر دار لآتينّها ، ولأطلبنّ
هامش
( 1 ) غرضنا : ضجرنا ولحقنا الملال . والثواء : الإقامة .
( 2 ) علله بطعام وحديث ونحوهما : شغله به .
( 3 ) الرماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة ، من بنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ، شاعر من مخضرمى الدولتين ، وكان يعرف أيضا بابن ميادة ، وميادة أمه . الشعراء 747 - 749 والمؤتلف 174 والأغانى 2 : 85 - 116 واللآلي 306 والخزانة 1 : 77 .
( 4 ) في الأغانى : « على تلك الحال سنة » .
( 5 ) النجعة : طلب الكلأ ومساقط الغيث . وفي الأغانى : « فتباعدوا » موضع « فصاعدوا » .
( 6 ) السند : ما ارتفع من الأرض في قبل الجبل أو الوادي . والأبرق : غلظ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة .
( 14 - أمالي الزجاجي )