وموضع اسم المفعول حالا ، مما اتّسع استعماله ، ويجوز أن يكون انتصابهما بتقدير حذف الجارّ : أي تعرّقنى بنهس وحزّ ، ويجوز أن تنصبهما على التمييز ، لأن التعرّق لمّا احتمل أكثر من وجه ، فجاز أن يكون بالنّهس وأن يكون بالحزّ أو الكشط أو غير ذلك ، كان ذكر كلّ واحد منهما تبيينا .
وقولها : « قرعا وغمزا » يحتمل الأوجه الأربعة .
وكرّرت لفظ « الدهر » فلم تضمره ، تعظيما للأمر .
والتكرير « 1 » للتعظيم على ضربين ، أحدهما : استعماله بعد تمام الكلام ، كما جاء في هذا البيت ، وهو كثير في القرآن ، كقوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 2 » ومنه :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ
« 3 » .
/ والضّرب الآخر : مجىء تكرير الظاهر في موضع المضمر ، قبل أن يتمّ الكلام ، كقول الشاعر « 4 » :
ليت الغراب غداة ينعب دائبا * كان الغراب مقطّع الأوداج
ومثله في التنزيل :
الْحَاقَّةُ . مَا الْحَاقَّةُ
« 5 »
الْقارِعَةُ . مَا الْقارِعَةُ
« 6 » كان القياس ، لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم : الحاقة ما هي ، ومنه قول عدىّ بن زيد « 7 » :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
هامش
( 1 ) يسمّى أيضا : التكرار . راجع بحثه في العمدة 2 / 73 ، وتحرير التحبير ص 375 ، وحواشيه .
( 2 ) سورة البقرة 282 .
( 3 ) سورة البقرة 59 .
( 4 ) جرير . ديوانه ص 136 ، وتخريجه في ص 1059 .
( 5 ) أول سورة الحاقة .
( 6 ) أول سورة القارعة .
( 7 ) ديوانه ص 65 ، وتخريجه في ص 213 ، وزد عليه : الخصائص 3 / 53 ، والمغنى ص 554 ، وضرورة الشعر ص 190 ، وما في حواشيه . وأعاده ابن الشجرىّ في المجلس السادس والثلاثين .