ثم قال : وكذلك استبعاده لإجازة سيبويه : « ما أعلم إلا أن تقوم » استبعاد في غير حقه ، لأن سيبويه قد أوضح المعنى الذي أراده به في قوله : « وتقول :
ما علمت إلا أن تقوم » إذا أردت أنك لم تعلم شيئا كائنا البتة ، ولكنك تكلمت به على وجه الإشارة ، كما تقول : أرى من الرأي أن تقوم ، فأنت لا تخبر أن قياما قد ثبت كائنا أو يكون فيما يستقبل .
والذي قاله سيبويه غير مدفوع مثله ، لأنهم كثيرا ما يستعملون في معنى بلفظ معنى آخر . ثم ساق ابن الشجري الشواهد على ذلك ، وختم كلامه بقوله : وإذا تأملت ما ذكرته لك من استعمال معنى بلفظ معنى آخر ، في الكتاب العزيز وفي الشعر القديم ، وفي الكلام الفصيح ، وقفت من ذلك على أمر عجيب ، فأول فهمك ما أذكره لك من هذا الفن ، بعد ذكر أصول المعاني وفروعها .
23 - ذهب ابن الشجري إلى أن النداء ليس من باب الأمر « 1 » .
هذا وقد ذكر ابن الشجري في المجلس الخامس والثلاثين وجوها كثيرة للنداء ، ساق شواهدها ، وقال في آخر كلامه : فهذه وجوه شتى قد احتملها النداء ، وإن كان في أصل وضعه لتنبيه المدعوّ ، والذي حملني على تلخيصها ما ذكرته لك من إنكار كثير منهم أن يكون لفظ النداء محتملا لمعنى غيره ، وقد أريتك أن أكثر معاني الكلام ، ليس لفظ من ألفاظها إلا وهو محتمل لمعان مباينة للمعنى الذي وضع له ذلك اللفظ ، فلا يكون في احتماله لتلك المعاني ما يخرجه عن معناه الأصلي .
24 - وصحّح أن التعجب « 2 » داخل في حيّز الخبر ، قال : لأنك إذا قلت : ما أحسن زيدا ، فكأنك قلت : زيد حسن جدّا ، وتمثيله عند الخليل وسيبويه : شيء أحسن زيدا ، وعند الأخفش : الذي أحسن زيدا شيء ، وعند آخرين : شيء أحسن زيدا كائن .
وكان ابن الشجري قد حكى أن بعضهم جعل التعجب معنى مفردا .
25 - وذهب « 3 » إلى أن العرض ليس استفهاما . قال : واختلفوا في العرض
هامش
( 1 ) المجلس الثالث والثلاثون .
( 2 ) المجلس نفسه .
( 3 ) المجلس نفسه .