وتفوق أمالي ابن الشجري كلّ هذه الأمالي : حجما ومادّة ، فقد بلغت مجالسها أربعة وثمانين مجلسا ، استغرقت من الصفحات قدرا كبيرا ، وعرض فيها لمسائل من النحو والصرف واللغة والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والأخبار . ولئن طوّف ابن الشجري بكل هذه الفنون ، إلا أنه ظلّ مشدودا إلى مسائل النحو والصرف ، مما جعل العلامة البغدادي يضع « أمالي ابن الشجري » ضمن مراجعه في علم النحو « 1 » .
وتنفرد أمالي ابن الشجري بظاهرة لم تعرف في الأمالي الأخرى ، وهي ظاهرة التأريخ للمجالس ، غير أنّ هذه الظاهرة لم تطّرد في كلّ المجالس ، فقد بدأت بالمجلس الثامن الذي أرّخ يوم السبت مستهلّ جمادى الأولى ، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وفي يوم السبت التالي له كان المجلس التاسع ، وأرخ المجلس العاشر يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر نفسه ، وعقد المجلس الحادي عشر يوم السبت سلخ الشهر المذكور ، ولم يؤرخ للمجلس الثاني عشر ، وأرخ المجلس الثالث عشر يوم السبت رابع جمادى الآخرة ، ولم يؤرخ للرابع عشر ، لاتصاله بما قبله ، ثم أرخ الخامس عشر يوم السبت ثامن وعشرين من جمادى الآخرة ، ثم تتابعت المجالس بعد ذلك كل يوم سبت ، حتى المجلس الثاني والعشرين الذي أرخ يوم الثلاثاء من جمادى الأولى ، سنة ست وعشرين وخمسمائة . ومعنى ذلك أن بين المجلس الحادي والعشرين والثاني والعشرين نحو سنتين توقف فيهما الإملاء .
ثم تتابعت المجالس بعد ذلك التاريخ ، كل يوم ثلاثاء ، وقد تتوقف أسبوعين أو ثلاثة . ثم توقف الإملاء بين المجلس الحادي والثلاثين « 2 » ، المؤرخ يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال ، سنة ست وعشرين وخمسمائة ، وبين المجلس الثاني والثلاثين المؤرخ يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول ، سنة ست وثلاثين وخمسمائة .
ومعنى هذا أن الإملاء قد انقطع عشر سنوات ، وهذه فجوة كبيرة ، فهل توقّف ابن الشجري طيلة هذه المدّة عن الإملاء ، أم أن هذه التواريخ من صنع بعض التلامذة المستملين الذين قد يتطرّق الوهم إلى ذاكرتهم في تسجيل التاريخ ؟
هامش
( 1 ) خزانة الأدب 1 / 18 .
( 2 ) ثبت من استقراء نسخ الأمالي أن هذا المجلس هو ختام الجزء الأول من الأمالي . ويأتي حديث ذلك .