وإن تعجب فعجب للحياة الحاضرة التي جحدت فضل الشعر الجاهلي ، وأعلنت الثورة عليه كما أعلنتها على كل قديم وإن كان نافعا . كما رأيت من تجنّي هذا الناقد على الشعر الجاهلي هذا التجنّي الغريب .
ولقد رددنا على الذين يعيبون الشعر الجاهلي ويرمونه بالتفكّك والاضطراب كالعقاد وغير العقاد فلا داعي إلى تكرار القول فيه .
وأما أن الشعر الجاهلي كثير العيوب العروضية ، فلا أدري ما هو دليل الناقد عليه ؟ أهو قصيدة عبيد أم بعض هذا الشواهد المروية لعيوب الشعر من الأكفاء والإيطاء والتضمين والسناد الخ ؟ وأين تكون هذه كلها في الشعر الجاهلي ، ثم ما هذا التكرار الساذج ، أهو مثل قول مالك بن الريب : [ الطويل ]
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا * مزار ، ولكن الغضا ليس دانيا
أو في مثل قول الحطيئة : [ الطويل ]
ألا حبّذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النأي والبعد
أو في قول النابغة : [ البسيط ]
عوجوا فحيّوا لنعم دمنة الدار * ما ذا تحيّون من نؤي وأحجار
أقوى وأقفر من نعم ، وغيره * هوج الرياح بهابي الترب موار
وقفت فيها سراة اليوم أسألها * عن آل نعم أمونا عبر أسفار
وقد أراني ونعما لاهيين بها * والدار لو كلمتنا ذات أخبار
أيام تخبرني نعم وأخبرها * ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وأين هو هذا الاقتسار المزعوم . ثم هل ما في الشعر الجاهلي من مجازات وكتابات وتشبيهات وأخيلة - رغم قلّتها وقربها من حقائقها - يدعو إلى أن نهجر الشعر الجاهلي ونطرحه ظهريا .
وأما أن الشعر الجاهلي لم يكن فنّا ( 1 ) يستقلّ به الخبيرون به ؛ فهذا خطأ بعيد ، وهل ننسى رجال المعلقات ؛ والنابغة وحكومته بين الشعراء في سوق عكاظ ، وهؤلاء
هامش
( 1 ) وإذا أردنا أن نسكت مزاعم العقاد المجدد برأي مجدد مثله هو « طه حسين » فلا أكثر من أن نسوق إليه قول طه حسين في الأدب الجاهلي : وأما مضر فكان لها في الجاهلية شعراء يتخذون الشعر فنّا يمثّلون به نهضة فنية عقلية في هذا الإقليم من جزيرة العرب ( راجع 197 وما بعدها من الأدب الجاهلي ) .