المكروه ( 1 ) والتجوّز المعيب ، الذي يؤخذ من روايته أن الشعر لم يكن فنّا استقل به صنّاعه الخبيرون به ، وإنما كان ضربا من الكلام يقوله كل قائل « ويروي المحكم منه وغير المحكم على السواء » . فنراه يذهب :
أولا : إلى أن في الشعر الجاهلي كثيرا من العيوب العروضية والتكرير الساذج المكروه والتجوّز المعيب .
وثانيا : إلى أن هذا الشعر بادي التفكّك مهلهل الصياغة ، لم تنظمه روح شاعرة قوية تعرف كيف ترتب المعاني وتوائم بينها .
ويدّعي أخيرا أنه لم يكن فنّا راقيا له رجاله ، بل نظمه الشاعر والشعرور ؛ وقاله كل قائل .
وهو لهذا كله ، في نظر الناقد - غير جدير بأن نتّخذه مثالا ننهج على نهجه .
وعجيب جدّا هذا الفهم والحكم والنقد ، فإن الشعر إنما هو نتاج العبقرية العربية الأولى ، التي أثلت مواهبها المجد والذكر للجزيرة العربية ؛ ولأبنائها من الشعراء الموهوبين .
وهو التراث العتيد الذي أخذ من فم الرواة وبطون الأسفار ، فردّده الخلف كما ردّده السّلف ، وأحاطوه بالرعاية والتقدير .
ولا يزال منذ أجيال بعيدة مشرّع الثقافة العربية الذي يرده كل صاد إلى فهم كتاب اللّه ؛ أو راغب في الأخذ من البلاغة العربية بنصيب .
وهو على مظهره البدوي البريء من سمات التكلّف والحضارة ، جميل الحاشية ، مشبوب الخيال ، آسر الأسلوب ، جزل اللفظ على غرابة فيه ، يخاطب العاطفة والوجدان قبل أن يخاطب الفكر والعقل ، وإن كانت تلك ميزة الفنون الجميلة ، في جميع عصورها ، وعلى شتّى مذاهبها ؛ ومعانيه مطبوعة بطابع السذاجة فهي قريبة المأخذ ، بسيطة الفكرة ، وثيقة الاتصال بالحياة العربية والجاهلية ، لا نكاد نرى فيها غلوّا أو تقيدا ، ولا تمثّل ثقافة واسعة أو فلسفة بعيدة . . . فهو على كل حال صورة للعقلية العربية . ولهذه الشاعرية العربية التي فاض ينبوعها على لسان الشعراء الملهمين الشادين بجمال الصحراء المطبوع ، والمترجمين عن أسرار العواطف وخلجات الوجدان وخطرات القلوب .
هامش
( 1 ) اقتسره على الأمر : أكرهه عليه .