وقد حمل القاضي رواية ابن منصور عن أحمد على ذلك كما سبق « 1 » ، وسيأتي القول في إقطاع الخراج دون المنافع فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
الصورة الثانية : أن يقف الإمام بعض أرض العنوة على طائفة مخصوصة من المسلمين أو واحد منهم . فإن قلنا : أرض العنوة وقف ، فلا يجوز تغيير وقفها الأول عما هو عليه بغير إشكال . وإن قلنا : إنها فيء يشترك في منافعها المسلمون فخص الإمام بعض المسلمين بها وقفا . فهذه المسألة حدثت في وسط الدولة العباسية ، واختلف الفقهاء فيها .
فقالت طائفة : لا يجوز ذلك ، وحكى عن أبي حامد الأسفرايني من الشافعية « 2 » . ووجه بعضهم بأن المصلحة قد تقتضي في مستقبل الزمان صرفه إلى ما هو أولى ، فلا احتياط في ذلك ، بخلاف التمليك فإنه يجوز عندهم .
وقالت طائفة منهم : يجوز ذلك . وقيل : إنه مذهب الشافعي ، وأخذوه من قول الشافعي في « سير الواقدي » « 3 » فيما فتح عنوة : فمن طاب نفسا عن حقه فجائز للإمام أن يجعله وقفا على المسلمين يقسم بينهم على أهل الخراج ، والصدقة ، وحيث يرى الإمام . قالوا : وقوله : حيث يرى الإمام . كالصريح منه في جواز الوقف على معين . وفيه نظر .
فإن الشافعي إنما قال : يجعله وقفا على المسلمين . وأما قسمة مغله ففي أهل الخراج والصدقة وحيث يراه . وهذا ظاهر كلامه .
هامش
( 1 ) « الأحكام السلطانية » لأبي يعلى ( 163 ) .
( 2 ) « روضة الطالبين » للنووي ( 6 / 364 - 365 ) .
( 3 ) « سير الواقدي بهامش الأم » ( 4 / 193 ) .