قال أبو بكر : فتفرّدت أياما وحرّرت الحساب على قاعدته وأصله والرسم الذي هو مألوف بين أهله ، وحملته إليه ، فأخذه من يدي وأمرّ عينه فيه / من غير تثبّت أو فحص أو مسألة ، ثم حذف به إليّ وقال :
أهذا حساب ، أهذا كتاب ، أهذا تحرير ، أهذا تقرير ، أهذا تفصيل ، أهذا تحصيل ؟ واللّه لولا أني قد ربّيتك في داري ، وشغلت ، بتخريجك ليلي ونهاري ، ولك حرمة الصّبا ، وتلزمني رعاية الأبناء « 1 » ، لأطعمتك هذا الطومار « 2 » ، وأحرقتك بالنّفط والنار ، وأدّبت بك كل كاتب وحاسب ، وجعلتك مثلة لكل شاهد وغائب .
أمثلي يموّه عليه ، ويطمع فيما لديه ، وأنا خلقت الكتابة والحسابة ، واللّه ما أنام ليلة إلّا وأحصّل في نفسي ارتفاع العراق ودخل الآفاق ؛ أغرّك مني أني أجررتك رسنك « 3 » ، وأخفيت قبيحك وأبديت حسنك ؟
غيّر هذا الذي رفعت ، واعرف قبل وبعد ما صنعت ، وأعلم أنك من الآخرة قد رجعت فزد في صلاتك وصدقتك ، ولا تعوّل على قحتك وصلابة حدقتك .
هامش
( 1 ) في الأصل : « رعاية الآباء » .
( 2 ) الطومار : الصحيفة .
( 3 ) تقول العرب : آجررت فلانا رسنه : أي أمهلت له في إرادته وتركته على هواه . وانظر شرح المقامات 2 / 292 ، وشرح ديوان مسلم بن الوليد ص 2 ( طبع بمبي سنة 1303 ه ) .