فانفرد من عسكره ، والفضل بن الربيع « 1 » خلفه ، فإذا هو بشيخ قد ركب حمارا ، وفي يده لجام كأنه مبعر محشو فنظر إليه فإذا رطب العينين . فغمز الفضل عليه ، فقال له الفضل : أين تريد ؟ قال حائطا « 2 » لي . فقال : هل لك أن أدلك على شيء تداوي به عينيك فتذهب هذه الرطوبة ؟ قال : ما أحوجني إلى ذلك . فقال له : خذ عيدان الهواء ، وغبار الماء وورق الكمأة « 3 » ، فصيّره في قشر جوزة ، واكتحل فإنه يذهب عينيك . قال : فاتكأ على قربوسه « 4 » فضرط ضرطة طويلة ، ثم قال : تأخذ أجرة لصفتك فإن نفعتنا زدناك . قال : فاستضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن ظهر دابته .
قال المهدي « 5 » لشريك « 6 » : لو شهد عندك عيسى كنت تقبله وأراد أن يغري
هامش
( 1 ) الفضل بن الربيع أبو العباس ، أبة العباس ، وزير أديب ، حازم ، كان أبوه وزيرا للمنصور العباسي . استحجبه المنصور لما ولي أباه الوزارة فلما آل الأمر إلى الرشيد واستوزر البرامكة كان صاحب الترجمة من كبار خصومهم حتى ضربهم الرشيد تلك الضربة . قال صاحب غربال الزمان : وكانت نكبتهم على يديه . توفي سنة 208 ه .
( راجع ترجمته في وفيات الأعيان 1 : 412 ؛ والبداية والنهاية 10 : 263 ؛ وتاريخ بغداد 12 : 343 ؛ والمرزباني : 312 ؛ ومفتاح السعادة 2 : 164 ) .
( 2 ) الحائط : الستان .
( 3 ) الكمء : نبات يقال له شحم الأرض ، والعرب تسميه جدري الأرض يوجد في الربيع تحت الأرض . ( راجع أقرب الموارد ) .
( 4 ) القربوس : هو حنوّ السرج وهما قربوسان .
( 5 ) المهدي : هو محمد بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي العباسي ، أبو عبد اللّه ، المهدي باللّه ، من خلفاء الدولة العباسية في العراق . ولي بعد وفاة أبيه وبعهد منه سنة 158 ه . كان محمود السيرة جوادا محببا إلى الرعية . وهو الذي بنى جامع الرصافة . توفي سنة 169 ه .
( راجع ترجمته في فوات الوفيات 2 : 225 ؛ ودول الإسلام 1 : 86 ؛ والبدء والتاريخ 6 : 95 ؛ وابن الأثير 6 : 11 ؛ والطبري 10 : 11 ؛ والمسعودي 2 : 194 ؛ وتاريخ بغداد 5 : 391 ) .
( 6 ) شريك ، قاض ، سبقت ترجمته .