واعلم أنّ الناس يخدعون أنفسهم بالتّعريض « 1 » والتّوقيع بالرّجال في التماس مثالبهم « 2 » ومساويهم ونقيصتهم « 3 » ، وكلّ ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصّبح ، فلا تكوننّ من ذلك في غرور ولا تجعلنّ نفسك من أهله .
* الصاحب الأمثل
إني مخبرك عن صاحب كان أعظم النّاس في عيني وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدّنيا في عينه .
كان خارجا من سلطان بطنه « 4 » ، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد .
وكان خارجا من سلطان فرجه « 5 » ، فلا يدعو إليه مروءته ولا يستخفّ رأيا ولا بدنا . .
وكان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يقدم إلا على ثقة أو منفعة .
وكان أكثر دهره صامتا فإذا قال بذّ « 6 » القائلين . . . كان يرى متضعفا مستضعفا « 7 » .
فإذا جاء الجدّ فهو الليث عاديا .
وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء ولا يدلي بحجة حتّى يجد قاضيا عدلا وشهودا عدولا .
وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله حتّى يعلم ما اعتذاره .
وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء ولا يصحب إلا من يرجو عنده النّصيحة لهما جميعا .
هامش
( 1 ) التّعريض : الذمّ غير الصريح .
( 2 ) المثالب : العيوب والمقابح .
( 3 ) النقيصة : جمع نقائص وهي العيوب التي تنتقص من مكانة المرء وسمعته .
( 4 ) خارج من سلطان بطنه : أي بعيد عن شهوات الطعام والشراب .
( 5 ) وقوله : خارجا من سلطان فرجه كناية عن العفّة وعدم الانسياق لشهوات الجنس .
( 6 ) بذّه : غلبه وفاقه وفاخره وسابقه .
( 7 ) استضعفه : وجده ضعيفا .