واعلم أنّه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا « 1 » له ونقضوه عليك وحرصوا على أن يجعلوه جهلا ، حتّى أنّ كثيرا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على النّاس ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتمّ به .
ليعلم صاحبك أنّك حدب « 2 » على صاحبه وإيّاك إن عاشرك امرؤ ورافقك ألا يرى منك بأحد من أصحابه وأخدانه رأفة ، فإنّ ذلك يأخذ من القلوب مأخذا ، وأنّ لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعا من لطفك به نفسه .
اتّق الفرح عند المحزون واعلم أنّه يحقد على المنطلق ويشكر للمكتئب .
* آداب المجالسة . . .
1 - اعلم أنّك ستسمع من جلسائك الرأي والحديث تنكره وتستجفيه من محدّث عن نفسه أو عن غيره ، فلا يكوننّ منك التّكذيب ولا التسخيف لشيء ممّا يأتي به جليسك ، ولا يجرّئنّك على ذلك أن تقول : « إنما حدّث عن غيره » فأنّ كلّ مردود عليه سيمتعض « 3 » من الردّ .
وإن كان في القوم من تكره أن يستقرّ في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن يعقد عليه أو مضرة تخشاها على أحد ، فإنّك قادر على أن تنقض ذلك في سرّ فيكون أيسر للنقض وأبعد للبغضة .
واعلم أنّ البغضة خوف والمودة أمن ، فاستكثر من المودّة صامتا فإن الصّمت يدعوها إليك ، وناطقا بالحسنى فإنّ المنطق الحسن يزيد في ودّ الصّديق ويسلّ سخيمة « 4 » الوغر .
2 - واعلم أنّ خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودّة إذا لم يخالط ذلك بأو « 5 » ولا عجب أما العجب فهو من دواعي المقت والشّنان .
هامش
( 1 ) نصبوا له : عادوه .
( 2 ) الحدب : العطف ، الحنان .
( 3 ) امتعض من الأمر : غضب منه ووجده شاقّا عليه فهو معض وماعض .
( 4 ) السخيمة : الضغينة والحقد الدّفين .
( 5 ) البأو : المباهاة والتفاخر وشدّة الصّلف .