واعلم أنّ المماري هو الذي لا يحبّ أن يتعلم ولا يتعلم منه ، فإن زعم زاعم أنه إنّما يجادل في الباطل عن الحقّ ، فإنّ المجادل وإن كان ثابت الحجّة ظاهر البيّنة فإنه يخاصم إلى غير قاض .
وإنّما قاضيه الذي لا يعدو بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله ، فإن انس أو رجا من صاحبه عدلا يقضي به على نفسه فقد أصاب وجه أمره وإن تكلّم على غير ذلك كان مماريا .
* فضل الفعل على القول
إن استطعت ألا تخبر أخاك عن ذات نفسك بشيء إلا وأنت محتجن عنه بعض ذلك التماسا لفضل الفعل على القول واستعدادا لتقصير فعل إن قصّر فافعل .
واعلم أن فضل الفعل على القول زينة وفضل القول على الفعل هجنة وأن أحكام هذه الخلّة من غرائب الخلال .
* تعهّد الأعمال بالصّبر والمثابرة
إذا تراكمت الأعمال عليك فلا تلتمس الرّوح في مدافعتها « 1 » بالرّوغان « 2 » منها فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها وإنّ الصبر عليها هو الذي يخففها ، وإنّ الضجر منها هو الذي يراكمها عليك فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال . . .
وذلك أنّ الرجل يكون في أمر من أمره فيرد عليه شغل آخر ويأتيه شاغل من النّاس يكره تأخيره ، فيكدر ذلك بنفسه تكديرا يفسد ما كان فيه ، وما ورد عليه حتّى لا يحكم واحدا منهما .
فإن ورد عليك مثل ذلك فليكن معك رأيك الذي تختار به الأمور ثم اختر أولى الأمرين بشغلك ، فاشتغل به حتّى تفرغ منه ولا يعظمنّ عليك فوت ما فات وتأخير ما تأخّر إذا أعملت الرأي معمله وجعلت شغلك في حقّه .
هامش
( 1 ) المدافعة : الدفع .
( 2 ) الرّوغان : من راغ أي ذهب هاهنا وهاهنا ، وحاد عن ، والروغان أيضا : المكر والخديعة .