ومن العجب أنّ الرجل الذي لا بأس في لبّه « 1 » يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها فيصوّر لها في قلبه الحسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر . . .
ثمّ لعلّه يهجم منها على أقبح القبح وأدمّ الدّمامة « 2 » فلا يعظه ذلك عن أمثالها ولا يزال مشغوفا بما لم يذق ، حتّى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة لظنّ أنّ لها شأنا غير شأن ما ذاق وهذا هو الحمق والشّقاء .
ومن لم يحم نفسه ويظلّفها « 3 » ويجلّها عن الطعام والشراب والنّساء في بعض ساعات شهوته وقدرته كان أيسر ما يصيبه من وبال أمره انقطاع تلك اللذات عنه بخمود « 4 » نار شهوته وضعف عوامل جسده . . .
وقلّ من تجد إلا مخادعا لنفسه في أمر جسده عن الطّعام والشّراب والحمية والدّواء ، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشّهوات ، وفي أمر دينه عند الرّيبة والشّبهة « 5 » والطّمع .
إن استطعت أن تنزل نفسك دون غايتك في كلّ مجلس ومقام ومقال ورأي وفعل فافعل .
فإنّ رفع النّاس إياك فوق المنزلة التي تحطّ إليها نفسك ، وتقريبهم إيّاك في المجلس تباعدت عنه وتعظيمهم من أمرك ما لم تعظّم وتزيينهم من كلامك ورأيك ما لم تزيّن هو الجمال .
* حسن المناظرة
لا يعجبنك العالم ما لم يكن عالما بمواضع ما يعلم . إن غلبت على الكلام وقتا فلا تغلبنّ على السّكوت . . .
واحذر المراء « 6 » واعرفه ولا يمنعنّك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة .
هامش
( 1 ) اللبّ : العقل .
( 2 ) الدّمامة : الشناعة ، القبح .
( 3 ) يظلّف نفسه عن : يكفّها عن ، يجعلها تترفع عن الدّنايا .
( 4 ) خمود نار الشهوة : انطفاؤها .
( 5 ) الشّبهة : الالتباس ، الشكّ .
( 6 ) المراء : الجدال والنزاع واللجاج .