ومن الشواهد على إيثاره الصديق والبذل في سبيله خبره مع عبد الحميد الكاتب : حين ألحّ جند بني العباس في طلبه ، فكأنّه لم يقتصر على السخاء بماله ، فتجاوز إلى السخاء بحياته تجاوبا مع قيمه الأخلاقية ومثله . وقد أكبره الجاحظ حين نعته بقوله : « كان جوادا فارسا جميلا » .
ولا شك في أن هذا الخلق الرفيع ثمرة إرادة واعية ، ومعرفة دقيقة بالنفس واستقصاء عيوبها ، والاجتهاد في إصلاحها . قال الأصمعي : سئل ابن المقفع من أدّبك ؟ فقال : نفسي ! إذا رأيت من غيري حسنا أتيته ، وإن رأيت قبيحا أبيته » « 1 » .
هذه طائفة من أخبار ابن المقفّع ، في نشأته ، وعقيدته ، وثقافته ، وصناعته وأخلاقه وأبرز ما في صفاته ، وسيكون لنا في دراسة آثاره مزيد من الاطلاع على شخصيّته القويّة ، وآرائه في الإصلاح الخلقي والاجتماعي .
*
أثر الثقافة الفارسيّة
كان للفرس أثر كبير في العصر العباسي ، تجاوز الحياة الاجتماعية والأخلاقية ، ونظم الإدارة والسياسة ، إلى الحياة العقلية . فلعبت الثقافة الفارسية دورا خطيرا في الفكر العربي . إلى جانب الثقافات اليونانية والرومانية والهندية .
وكان طبيعيا أن يحدث الفرس مثل هذا النشاط في مرافق الحياة العباسية ، لأسباب عديدة من أبرزها :
سابقتهم في الحضارة ، وما توفّر لهم في دولتهم الغابرة من تراث ضخم في العلم والأدب ، وخبرات طويلة في طرائق العيش ، وشؤون الحكم .
يقول الجاحظ في تعداده طبائع ومزايا الشعوب في الدولة الإسلامية آنذاك :
« وميزة آل ساسان : في الملك والسياسة » .
ولا يخفى ما يحتاجه الاضطلاع بأعباء الملك وأصول السياسة من معارف وتجارب ونضوج ، ظهرت ثمارها في دولة بني العباس ، حتى كان جلّ الوزراء والكتاب من العنصر الفارسي .
شعورهم بقيمة عونهم في نقل الخلافة إلى بني العباس ، واعتدادهم
هامش
( 1 ) ابن خلّكان : وفيات الأعيان ج 1 ص 413 - طبعة مكتبة النهضة المصرية .