إنّ بالنّاس من الاستجراح والفساد ما قد علم أمير المؤمنين وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم وطرائقهم ما هو اشدّ من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها .
أهل كلّ مصر وجند أو ثغر فقراء ، إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسنة والسّير والنصيحة مؤدّبون مقوّمون يذكرون ويبصرون الخطأ ويعظون عن الجهل ، ويمنعون عن البدع ويحذرون الفتن ويتفقدون أمور عامة من هو بين أظهرهم حتى لا يخفى عليهم منها مهم .
ثمّ يستصلحون ذلك ويعالجون على ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح يرفعون ما أعياهم إلى ما يرجون قوته عليهم مأمونين على سير ذلك وتحصينه ، بصراء بالرأي حين يبدو أو أطباء « 1 » باستئصاله قبل أن يتمكن .
وفي كلّ قوم خواص رجال عندهم على هذا معونة إذا صنعوا لذلك وتلطف لهم وأعينوا على رأيهم وقووا على معاشهم ببعض ما يفرغهم لذلك ويبسطهم له .
وخطر هذا جسيم في أمرين ، أحدهما برجوع أهل الفساد إلى الصّلاح وأهل الفرقة إلى الألفة .
والأمر الآخر ألا يتحرك متحرك في أمر من أمور العامّة إلا وعين ناصحة ترمقه « 2 » ، ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ « 3 » نحوه .
وإذا كان ذلك لم يقدر أهل الفساد على تربيص الأمور وتلقيحها ، وإذا لم تلقح كان نتاجها بإذن اللّه مأمونا .
وقد علمنا علما لا يخالطه شكّ أنّ عامة قطّ لم تصلح من قبل أنفسها ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصّتها .
وأن خاصّة قطّ لم تصلح من قبل أنفسها وأنّها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها .
هامش
( 1 ) أطباء باستئصاله : ذوو مهارة وحذق في ذلك .
( 2 ) ترمقه : تطيل النظر إليه .
( 3 ) أصاخ إليه : أصغى واستمع .